الصفحة 104 من 168

ثم إذا لم يكن من الممكن تحقق هذا المقصد الأسمى إلا بمساعي الجماعة، لم يكن بد من أن تكون في الأرض جماعة صالحة تؤمن بمبادئ الحق، وتحافظ عليها، ولا تكون لها غاية في الحياة إلا إقامة نظام الحق وإدارة شؤونه بغاية من الاهتمام والعناية، ولعمر الحق إنه لو لم يكن على وجه الأرض إلا رجل واحد مؤمن، لما جاز له أن يرضي على نفسه بتسلط نظام الباطل، حينما يجد نفسه وحيدًا فاقدًا للوسائل اللازمة، أو أن يحاول التستر وراء الحيل الشرعية، كالاقتناع بأهون البليتين، بل الحق أنه لا يكون أمامه إلا طريق واحد، وهو: أن يدعو الناس كافة إلى منهاج الحياة الذي يرضى به الرب تعالى، فإن لم يجب لدعوته أحد، فإن قيامه على الصراط المستقيم، واستمراره في دعوة الناس حتى يلقى ربه خير له ألف مرة من أن يتنكب الصراط الحق ويهتف بنعرات تهش لها وتفرح بها الدنيا المتسكعة في بيداء الضلالة والغواية) (1) .

ولكن هذه الحقائق ذهل عنها الفرديون وظنوا أنه طريق خطب، وصيحات منابر، وقرارات ومؤتمرات، وحاول الداعية الإسلامي الكبير شكيب أرسلان رحمه الله تعليمهم الطريق الصحيح فلم يفلح.

يقول رحمه الله في نص ثمين جدا خلال رسالة أنشأها سنة 1931 ونشرت مجلة (المسلمون) صورتها، يخاطب أحد أبناء فلسطين:

(تأتيني كتب كثيرة من المغرب وجاوا ومصر وسورية والعراق ونفس فلسطين بلدكم، مقترحا أصحابها عقد مؤتمر إسلامي أو انتخاب خليفة أو ما أشبه ذلك. ويكون جوابي دائما: يجب أن نؤسس من تحت يجب أن نربي الفرد) .

ثم يتابع فيقول:

(أما أن نعقد مؤتمرا مجموعا من ضعفاء ليس لهم إرادة مستقلة وهم لا يقدرون أن ينفذوا قرارا، فما فائدة ذلك، أتريد أن نجمع أصفارًا؟) (2) .

وهذه كلمات تكشف عن قمة الوعي وعن آخر تجارب الدعاة، ولكن أصحاب شكيب خذلوه، وكانوا أقصر همما.

(1) الأسس الأخلاقية للحركة الإسلامية/18.

(2) المسلمون/2/263.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت