الصفحة 74 من 168

وكان الشيخ قد عد دونه في المنزلة آخر له (قلب بلا لسان، وهو مؤمن ستره الله عز وجل عن خلقه، وأسبل عليه كنفه، وبصره بعيوب نفسه، ونور قلبه) .

فلأن هذا المؤمن لم يملك اللسان، نزلت مرتبته، وتأخرت، وفقد ما في ألقاب الأول من الهيبة والفخامة، فالأول: (جهبذ) و (داعية) و (حجة) ، وله ما في هذه الكلمات من إشعاع البهاء، والثاني: (مستور) فحسب، وبين جرس هذه الكلمة ولفظها وتلك الكلمات وألفاظها من البعد مثل ما بين الأرض والسماء.

إن بونا شاسعًا، وطفرة واسعة بين المنزلتين، منزلة الدعوة ومنزلة الإيمان المستور المنعزل، وسبب البون هو اللسان الناطق بالحق لا غير.

من ملك هذا اللسان فقد بذ وسبق قافلة السائرين إلى الله.. كلهم يسير إلى الله، ولكن أين في المقدمة، ممن في المؤخرة؟

وكلهم يدخل إن شاء الله الجنة، ولكن أين من يدخلها في الزمر الأول، ممن يدخلها بعد أعوام من الانتظار في ساحة العرض؟ ولذلك جعلا لكيلاني رحمه الله فقه الداعية لواجبه في تغيير الباطل وإظهار الحق منحة ربانية لمن يعلم الله صلاح قلوبهم، وصاغ هذا المعنى بأحرف يسيرة، لكنها ثمينة، فقال:

(إذا صلح قلب العبد للحق عز وجل، وتمكن من قربه، أعطى المملكة والسلطنة في أقطار الأرض، وسلم إليه نشر الدعوة إلى الخلق، والصبر على أذاهم يسلم إليه تغيير الباطل، وإظهار الحق) (1) .

وكذلك البلاغة تكون حين تقتبس من مشكاة النبوة، نسبا وعلمًا، فإنه كان رحمه الله في الذروة من الشرف، علويا صحيح النسب، كما كان في الذروة من علم الحديث وفقه أقوال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله.

إنه يقول: إن نشر الدعوة توفيق من الله، يوفق له من يعلم صلاح قلبه، فهو تشريف، وليس بتكليف.

ودقق النظر في قوله: (يسلم إليه تغيير الباطل وإظهار الحق) .

الباطل يجب أن (يغير) ، يغيره (الداعية) ، أي يحاربه، ويزيله، ويهيل عليه التراب يقبره.

(1) الفتح الرباني للشيخ عبد القادر/144.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت