الصفحة 75 من 168

أما أن ترجو من الباطل أن يترك مكانه ويعطيه إياك...

وأما أن تتكلم معه باللغة الدبلوماسية، فذلك لن يكون ولن يفيد، وإنما هو التغيير فقط ينص عليه قانون الدعوة.

نصل الماضي بالآتي

وإذن فإن الإسلام اليوم أحوج ما يكون إلى جماعة من الدعاة الذين يملكون هذه النظرة التغييرية المفاصلة، دعاة يدركون جيدًا واجبهم في هداية الناس، ويبصرون موقعهم في موكب الدعوة السائر، وأنهم حلقة تصل الماضي بالآتي، وينشدون:

نحن في ذي الحياة ركب سفار

يصل اللاحقين بالماضينا

قد هدانا السبيل من سبقونا

وعلينا هداية الآتينا (1)

نعم، تعبوا رحمهم الله، حتى أوصلوا عقيدة التوحيد لنا، وربونا وهذبونا، وانتشلونا من مخاطر متلفة، وعلينا أن نكون أوفياء لهم، ننفذ عهدنا حين أخذوا علينا أن نعمل مثل الذي عملوا.

غرسوا فأكلنا، ونغرس فيأكلون.

والغرس يقتضي مخالطة الناس، ومشافهتهم، والصدع بالحق.

أما أن يختار الخلوة، ويترك محاربة الأفكار الأرضية، والمفاسد الخلقية، فهو كما وصفه مصطفى صادق الرافعي (يحسب أنه قد فر من الرذائل إلى فضائله، وماذا تكون العفة والأمانة والصدق والوفاء والبر والإحسان وغيرها إذا كانت فيمن انقطع في صحراء أو على رأس جبل؟ أيزعم أحد أن الصدق فضيلة في إنسان ليس حوله إلا عشرة أحجار؟ وايم الله، إن الخالي من مجاهدة الرذائل جميعا لهو الخالي من الفضائل جميعًا) (2) .

وأي فرق بين المعتزل في رأس جبل، وبين من يعيش مع الناس أخرس صامتًا؟

(1) لعزام في ديوان المثاني/149.

(2) وحي القلم 2/97.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت