إن مشكلة المسلمين اليوم لا يسببها نقص عددهم، ومشكلة الدعوة الإسلامية اليوم لا تتمثل في قلة عدد من بقي ثابتا صامدًا على إسلامه حين كثر في الأمة ترك الصلاة والابتداع وحمل أفكار الكفر، فإن كل قطر من أقطار الإسلام لا يزال فيه شباب خير كثير عددهم، ولكن المشكلة في أنهم يصدعون بإسلامهم، ولا يدعن، أو يدعون من غير تنسيق بينهم، وإلى هذا المعنى أرشد الداعية البطل المقدام الفقيه عبد القادر عودة رحمه الله فقال:
(في البلاد الإسلامية اليوم جيل مثقف ثقافة إسلامية عالية حريص على أن يعيد للإسلام ما فقده، لا تأخذه في الحق لومة لائم، ولا عيب فيهم إلا أنهم متأثرون بأسلافهم إلى حد كبير في بعض الاتجاهات، حيث يصرفون أكثر جهدهم في العبادات والمواعظ، ولو أنهم صرفوا أكثر جهدهم في تذكير المسلمين بشريعتهم المعطلة وقوانينهم المخالفة للشريعة وحكم الإسلام فيها لكان خيرًا لهم وللإسلام) (1) .
الإمام أحمد يباشر التجميع
وشأن الداعية أن يترصد أخيار الرجال في المجتمع، فيحتك بهم، ويتعرف عليهم، ويزورهم، ويعلمهم طريق ضم الجهود الإسلامية وتنسيقها، فيجدد بذلك سيرة الإمام الداعية المبجل أحمد بن حنبل.
قالوا: كان الإمام أحمد (إذا بلغه عن شخص صلاح، أو زهد، أو قيام بحق، أو اتباع للأمر: سأل ع نه، وأحب أن يجري بينه وبينه معرفة، وأحب أن يعرف أحواله) (2) .
لم يكن بالمنعزل المتواري الهارب من الناس.
ولا يكون داعية اليوم إلا من يفتش عن الناس، ويبحث عنهم ويسأل عن أخبارهم ويرحل للقائهم، ويزورهم في مجالسهم ومنتدياتهم، ومن انتظر مجيء الناس إليه في مسجده أو بيته فإن الأيام تبقيه وحيدًا، ويتعلم فن التثاؤب.
وانظر من تطبيق الإمام أحمد لحرصه هذا مثالا يذكرونه في معرض التعريف بشيخ البخاري والترمذي موسى بن حزام.
(1) الإسلام بين جهل أبنائه وعجز علمائه/65.
(2) مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي/218.