قالوا: إنه كان ثقة صالحا، لكنه (كان في أول أمره ينتحل الإرجاء، ثم أعانه الله تعالى بأحمد ابن حنبل، فانتحل السنة، وذب عنها، وقمع من خالفها، مع لزوم الدين، حتى مات) (1) .
وإنها لكلمات تحوي من معاني الدعوة شيئا كثيرًا.
إن هذا التغيير لم يتم بالأماني المجردة.
ألا ترى أن الإمام أحمد لزمه أن يجلس معه المجالس الطوال مناقشا له برفق وسكينة وحكمة وموعظة حسنة حتى استطاع صرفه عن بدعة الإرجاء التي توهمه أن العمل ليس شرطا في الإيمان، وإنما هو تصديق القلب فقط، ثم مجالس أخرى علمه فيها السنن، ثم مجالس أخرى بعث فيه همة عالية استمر معها حتى موته بالدفاع عن السنة وقمع مخالفيها من أهل البدع والشهوات.
إنه كذلك طريق الدعوة وسبيل خدمة الإسلام، وكذلك كان سلفنا من دعاة الإسلام.
لابد من اتصال بالناس.
لابد لك من مجالس معهم تعلمهم فيها.
لابد لك من ترك زوجك وأولادك ومجالس الدنيا وهموم التجارة بضع ساعات في كل يوم، تتوجه فيها إلى الله، داعيا أن يعين بك ضالا من ضحايا الطواغيت الحالية، فتهديه، أو يعين بك يائسا جامدًا، يستهلكه الحزن على واقع المسلمين، وتقيده همومه الدنيوية، فتحركه وتهزه وتغطه غطًا.
إنها غطة العزم.
غط جبريل عليه السلام نبينا محمدًا ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثلاثا في غار حراء في أول لحظات نبوته، فضمه إلى صدره ضما شديدًا، ثم قال له: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) .
وغط النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ابن عمه عبد الله بن عباس، ضمه إلى صدره، وقال (اللهم علمه القرآن) .
وغطك الدعاة.
وعليك أن تغط غيرك هذه الغطة الواجبة التي تضع حدا فاصلا بين عهد الرخاوة وعهد حملة الأمانة بحزم وعزم ووفاء.
لقد أعان الله تعالى بأحمد آلافا مثل موسى بن حزام هذا، وبهم استطاع أن يرد فتنة وكيد الجهمية والمعتزلة وينصر السنة، فكم يا ترى سيعين الله بك اليوم من ترد بهم كيد الشرق والغرب؟
(1) تهذيب التهذيب لابن حجر 10/341.