الصفحة 78 من 168

لقد كان السلف رضي الله عنهم أفرح ما يكونون عند العمل للدعوة وهداية أحد على أيديهم.

كان عبدالقادر الكيلاني يقول:

(سبحان من القى في قلبي نصح الخلق وجعله أكبر همي) .

ثم يقول:

(إذا رأيت وجه مريد صادق قد أفلح على يدي: شبعت وارتويت، واكتشيت، وفرحت، كيف خرج مثله من تحت يدي؟) (1) .

هذا شبعهم وريهم، لا في تأليف الكتب فحسب، والتي تكرر المعاني الواحدة.

العالم من كان داعية، أما مؤلف الكتب فحسب فنقول له:

لست والله عالما أو حاكمًا ……إنما أنت تاجر في العلوم (2)

الإسلام اليوم لا يحتاج مزيد بحوث في جزئيات الفقه بقدر ما يحتاج إلى دعاة يتكاتفون.

فقه الوزير الداعية

واسمع إلى طريف ما فهمه الفقيه المحدث العابد الوزير العباسي الصالح ابن هبيرة الدوري رحمه الله من قوله تعالى: (وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى) إذ يقول:

(تأملت ذكر أقصى المدينة، فإذا الرجلان جاءا من بعد في الأمر بالمعروف، ولم يتقاعدا لبعد الطريق) (3) .

وياله من استخراج بديع مع بساطته يجعل الداعية يتأمل ويقول: هل يتأتي للداعية اليوم أن يستكثر ما توجبه الدعوة عليه من حركة يومية بعيدة بعد أن يعرف هذا الذي كان عليه سلفه من دعاة القرون الأولى وصفتهم هذه التي خلدها القرآن في الجوب والتجول والذهاب إلى الأقاصي بغية بث الدعوة والأمر بالمعروف؟

(وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى) ، ( قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ) .

(1) الفتح الرباني/27.

(2) لعزام في ديوان المثاني/98.

(3) ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب 1/269.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت