إن هؤلاء المصلين، وأهل الغيرة والحزن على مصير المسلمين، يقرأون كب الفقه التي ننقل عنها، وكتب الزهد والرقائق، ولكن كأن خور عزائمهم لا يوقع أبصارهم على ما فيها من صيحات المخلصين على مر الأجيال والقرون، من لدن عصر الصحابة إلى العصور المتأخرة، وحثهم على العمل للإسلام، والتبشير به، ودعوة الخلق، وتنبيه الجموع الغافلة، وترك العزلة والتواري، والتصدي للجهاد والبذل.
إنه حزن قاتل، وتعبد مرجوح، وعزلة مضيعة، وبدعة هادمة، وأن تجلل كل ذلك بالإخلاص والنية الصالحة.
من يقاتل العدو إذا اعتزلتم؟
وأول فوج ظهر من هؤلاء الواهمين كان في عصر صدر الإسلام، والصحابة رضي الله عنهم لا زالوا أحياء، فتصدى لهم الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وعرف ما في العزلة من مضادة للإسلام المتحرك، إسلام الأمر والنهي والجهاد والدعوة الذي رباه عليه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فأوضح لهم بدعتهم، ونهرهم واجتث أوهامهم من عروقها، وعاد بها إلى الصواب.
يروي لنا التابعي الكوفي، الفقيه النبيل عامر الشعبي، أن رجالا(خرجوا من الكوفة، ونزلوا قريبا يتعبدون، فبلغ ذلك عبد الله بن مسعود، فأتاهم، ففرحوا بمجيئه إليهم، فقال لهم:
ما حملكم على ما صنعتم؟
قالوا: أحببنا أن نخرج من غمار الناس نتعبد.
فقال عبد الله: لو أن الناس فعلوا مثل ما فعلتم فمن كان يقاتل العدو؟
وما أنا ببارح حتى ترجعوا).
روى ذلك شيخ المحدثين عبد الله بن المبارك رحمه الله (1) .
وأظن، والله أعلم، أن هؤلاء أخذوا هذه البدعة عن النصارى، إذ كانت أراضي الفرات حول الكوفة كثيرة الديارات النصرانية، وكانت قبيلة طي تسكن حول الكوفة آنذاك وقد فشت فيها النصرانية قبل الإسلام، كما يدل على ذلك كون رئسها عدي بن حاتم الطائي رضي الله عنه نصرانيا قبل إسلامه.
(1) كتاب الزهد لعبد الله بن المبارك:390.