ومن هاهنا، من عبد الله بن مسعود، أقتبس الوعي الصحيح الداعون إلى الإسلام على تعاقب الأجيال.
إنها كلمة الحق، وعنوان الوعي، وشارة التربية النبوية الكريمة.
سياهم في كلامهم، مثلما هي في وجودهم.
من يقاتل العدو إذن لو اعتزل العابدون؟
من يرد كيد الصهيونية والماسونية، والدعاية الشيوعية الإلحادية، إذا بقي المصلون في مساجدهم لا يضمون جهودهم إلى جهود دعاة الإسلام؟
فلما مات ابن مسعود وأصحابه، وذهب جيل المجاهدين من التابعين الذين رباهم الصحابة، عاد إلى الخلي عن الجهاد، وإلى العزلة، مرة ثانية في النصف الثاني من القرن الثاني.
ابن المبارك يرث ابن مسعود
ولكن الله سبحانه يهدي عبد الله بن المبارك (ت181هـ) ليجدد حيوية الأمة.
كان رحمه الله محدثا ثقة، وحديثه في الصحيحين والسنن والمسانيد يشهد بذلك، وكان فوق ذلك من الفقهاء والنبلاء، وله مال كثير ينفقه على أهل العلم في جميع عواصم الإسلام، وله شعر إيماني جيد.
ولم يكتف بذلك بل كان داعية مجاهدا، يغزو كل سنة بلاد الروم، ويتخذ له من طرسوس مقرا، وهي جنوب تركيا الآن، حتى صار بهذه الصفات المجتمعة رأس المحدثين في جيله ذاك.
تهز ابن المبارك هذه الكلمة التي نقلها في كتابه عن ابن مسعود رضي الله عنه فيتخذ منها نيراسا، ويقوم بدور ابن مسعود ثانية، حتى نراه ينكر على رفيقه الزاهد العابد الثقة الفضيل بن عياض رحمه الله (ت 187هـ) اعتزاله ومجاورته في مكة، وتركه الجهاد.
كان الفضيل ثقة، وحديثه في الصحيحين يدل على ذلك، وهو من أشهر العباد الزهاد في تاريخ الإسلام، وأجودهم كلاما، لكن ابن المبارك لا يري كل ذلك مكافئا لترك الجهاد وقتال العدو، فيخشن له الكلام، حتى يصفه بأنه عابد لاعب بعبادته، ويبعث له من طرسوس، وبعد معركة من معاركه، قبل أن ينفض غبار المعركة عنه، أبياتًا رائعة جدًا تظل حجة لكل داعية من بعده.
إنها أبيات أكثر من رائعة، وأكثر من صادقة، وأكثر من بليغة,.