فافتح قلبك، وفك قيوده وإساره، ليطير ويحلق عاليا مع أبيات ابن المبارك..
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا
لعلمت أنك في العبادة تلعب
من كان يخضب جيده بدموعه
فنحورنا بدمائنا تتخضب
أو كان يتعب خيله في باطل
فخيولنا يوم الكريهة تتعب
ريح العبير لكم، ونحن عبيرنا
رهج السنابك والغبار الأطيب
ولقد أتانا عن مقال نبينا
قول صحيح صادق لا يكذب
لا يستوي غبار خيل الله في
أنت امرئ ودخان نار تلهب
هذا كتاب الله ينطق بيننا
ليس الشهيد بميت لا يكذب (1) .
قال ابن المبارك هذا لمن انصرف إلى العبادة والمجاورة في الحرم المكي، وكان الفضيل يلقب بعابد الحرمين، وله شهرة بكثرة البكاء، ولذلك غمزه بذكر الدموع، وكأنه كان مثل بعض المصلين، يتطيبون بدهن الورد وغيره اتباعًا لسنة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فغمزه بذكر العبير الواحد السهل التناول، في حين كان للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولورثته من العلماء المجاهدين عبير غبار المعارك إضافة لعبير الورد والمسك.
فماذا نقول اليوم لمن ينصرف عن الجهاد والدعوة، والأمر والنهي، لا إلى كثرة العبادة بل إلى الراحة والترف وجمع الأموال والحرص على إرضاء زوجته؟
وهل لنا أن نقول لمتزهد اليوم إلا كما قال ابن المبارك: يا عابدًا لو أبصرت دعاة الإسلام يصاولون دعاة الكفر والضلال الحزبي لعلمت أنك بالعبادة تلعب؟
ولئن انحنت ظهور بعض المتعبدين اليوم من كثرة الصلاة، وجفت حلوقهم من مواصلة الصوم، فإن دعاة الإسلام قد انحنت ظهورهم بعد الفرائض والسنن من كثرة مجالس التداول في أمور المسلمين ومصالحهم، وجفت حلوقهم من كثرة السعي والحركة، وبذلوا دماءهم، واهتزت حبال المشانق بأجسادهم.
الشيخ الكيلاني.. على الدرب
(1) طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 1/287.