الصفحة 69 من 168

وتتلاحق من بعد ابن المبارك أجيال، وإذا بالهمم تضعف مرة أخرى، وإذا بالزهاد والعباد يعتزلون في الرباطات، ويتركون إرشاد الناس، ويعافون الدعوة، فيشيع الاضطراب في المجتمع المسلم مرة أخرى، فإذا بالقرن السادس الهجري يلد لنا وارثا صادقا من وراث تلك الأقباس الأولى لابن مسعود وابن المبارك، ينتفض، ويأبى وعيه الانسياق في تيار بدعة الترهب والاختفاء عن الناس، فيقف ينادي الأمة، ويدلها على الأمراض التي تتهددها.

إنه الشيخ القدوة العارف عبد القادر الكيلاني رحمه الله.

كان فقيها ثقة من فقهاء الحنابلة ببغداد، والغالب على الحنابلة في كل عصورهم الزهد والبعد عن كل ما يعارض التجرد للعلم، وكان شريفا علويا من ذرية الحسن المثني بن الحسن بن علي بن أ[ي طالب رضي الله عنه، وإنما انتسب إلى مدينة كيلان لسكني آبائه فيها، ولابن تيمية ثم لابن القيم مدح له، وهما اللذان يسميانه بالشيخ القدوة، كما في أكثر موضع من مدارج السالكين.

تكلم الشيخ عبد القادر كثيرًا، وصاح بأهل العراق صيحات بليغة رفيعة المعني والمبنى، وينتشل لنا أحد تلامذته من تلك الصيحات كلمات يدونها سريعا والإمام يخطب خطبه الأسبوعية سنة 545هـ، ويودعها كتابا سماه (الفتح الرباني والفيض الرحماني) قد تجد فيه ما يجب رده، لكنه مملوء بصيحات الحق، والالتفاتات القيمة، والتشديد على وجوب الدعوة والأمر والنهي.

فاسمع من صيحات الحق هذه قول عبد القادر رحمه الله أن:

(المتزهد المبتدي في زهذه يهرب من الخلق، والزاهد الكامل في زهده لا يبالي منهم، ولا يهرب منهم، بل يطلبهم، لأنه يصير عارفا لله عز وجل، ومن عرف الله لا يهرب من شيء، ولا يخاف من شيء سواه.

المبتدي يهرب من الفساق والعصاة، ,المنتهي يطلبهم.

كيف لا يطلبهم وكل دوائهم عنده؟

ولهذا قال بعضهم رحمة الله عليه: لا يضحك في وجه الفاسق إلا العارف.

من كملت معرفته لله عز وجل صار دالا عليه.

يصير شبكة يصطاد بها الخلق من بحر الدنيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت