الصفحة 111 من 168

إنه يتحدث عن أمر عظيم جليل، وانتقال ضخم، لكنه من أمر الحقائق.

ولهذا حفته البساطة، وكذلك شأن الحقائق دومًا.

فحينما يكون الأمر حقيقة لا يحتاج إلى كثير بلاغة، ولا إلى إطناب، أو يهرج وتزويق.

إنها الحقيقة التي يعيشها الغرب، فهذا الخواء الروحي، والانحدار الجنسي، والتمييز العنصري، والظلم الاستعماري، لم يعد إفلاسا مجردًا، بل فضيحة كبيرة للحضارة الغربية.

وهي الحقيقة التي ترهق المجتمعات الشيوعية، ولو لم يكن فيها إلا الإرهاب وكبت الحريات لكفتها فضيحة.

كما أنها الحقيقة التي تشير إلى عدل الإسلام، وسماحته، وسكينته التي يهديها إلى القلوب التي أتعبها قلق المادة.

إن تأملا قصيرًا يرينا بوضوح أن شعوب الأمة الإسلامية قد ملت وسئمت ما اقتبسوه لها من مادية الغرب ونظمه، وما فطنوا له فقلدوه من أساليب الإرهاب والتجويع الشيوعي، وأصبحت القلوب والعقول على أتم الاستعداد لمسيرة إياب إلى الإسلام ثانية.

ولكن بينها وبين الوصول إلى دار السلام مفازة.

ولابد للمفازة من دليل.

وشرط الدليل أن يكون خبيرا مميزا للأثر، متفرسا، ناظرا في أبراج السماء.

فإن وجد الدليل فإن الوصول قريب.

جاذبية الدعاة

وخير ما يكون الدليل إذا كان حاديا يجيد الترنم.

إنه يطرب الذين وراءه، فيتبعونه.

وهذا هو ما تصوره بلاغتنا القاهرة، لأن من يتبع طربا قد تعتريه غفلة، أو تفجؤه عثرة، أو تغلبه إغفاءة، فيتوقف.

أما بلاغة إقبال فأتم وأكمل وأبدع.

إنه يجد في إدراك الذات قوة جذب تجبر الآخرين على الارتباط بها، فإذا جمع المسلم الحر الفطن ذاته فكان داعية فإنه يدير من يريد في فلكه.

يقول إقبال:

شدت الأرض قواها، فالقمر

في طواف حولها، لا مستقر (1)

فلأن الأرض تحفزت، وخزنت من قوة الجذب ما استطاعت: أجبرت القمر على الارتباط بها، والدوران حولها، حتى بات لا يحدث نفسه بفرار.

(1) ديوان الأسرار والرموز/15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت