ويجعل إتاحة الله سبحانه لعبده هذا المقام الشريف أكبر نعمة، ويعد انشغاله به دليلا على صحة تبعيته وخلافته للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فيقول:
(من صحت تبعيته للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ البسه درعه وخوذته، وقلده سيفه، ونحله من أدبه وشمائله وأخلاقه، وخلع عليه من خلعه، واشتد فرحة به: كيف هو من أمته؟
ويشكر ربه عز وجل على ذلك، ثم يجعله نائبا له في أمته، ودليلا وداعيا لهم إلى باب الحق عز وجل.
كان هو الداعي والدليل، ولما قبضه الحق عز وجل أقام له من أمته من يخلفه فيهم، وهم آحاد أفراد، من كل ألف ألف واحد، يدلون الخلق، ويصبرون على أذاهم، مع دوام النصح لهم. يتبسون في وجوه المنافقين والفساق ويحتالون عليهم بكل حيلة حتى يخلصوهم مما فيه، ويحملوهم إلى باب ربهم عز وجل) (1) .
ثم يدعوهم إلى إماتة الهوى والنفس الأمارة بالسوء، لتحصل حياة الدعوة.
(موت ثم نشر، ثم إذا شاء أنشرك له، ردك إلى الخلق لتنظر في مصالحهم وتردك إلى بابه، يجيء لك الميل إلى الدنيا والآخرة لتتناول أقسامك منهما، تجيء لك القوة على مقاساة الخلق، فتردهم عن ضلالهم) (2) .
ثم يوجز صفات الداعية وشروط التوثيق في صفة واحدة جامعة لصفة التجرد الكامل والانغماس بكله في الدعوة، حتى ينسى نفسه ويعود لا يرى إلا من يدعوهم، ولا يتكلم إلا بما يفيد من يدعوهم. فعالمه، وكونه الفسيح: لا يحوي تجارة، ولا شهوة، ولا منصبا، ليس في هذا الكون إلا الذين يباشر دعوتهم، هم تجارته، ولذته، ومنصبه.
(يصير كأنه لا نفس له ولا طبع ولا هو، ينسى طعامه وشرابه ولباسه، يصير ناسيا لنفسه، ذاكرا لخلق ربه عز وجل، يخرج بقلبه عن نفسه والخلق، ويبقى بربه عز وجل، كل طلبه نفع الخلق، قد سلم نفسه إلى يد قضاء ربه عز وجل) (3) .
فهذا نموذج الدعاة.
هذه صفة من يريد أن يكون ضمن القاعدة الصلبة التي يبني عليها الإسلام الآن.
(1) الفتح الرباني /83.
(2) الفتح الرباني/107.
(3) الفتح الرباني/211.