الصفحة 126 من 277

من أجل هذه مثلًا لما قلنا بأن (الحمد لله رب العالمين) هذه الكلمة تستوعب كل المحامد في الوجود فهذه تحتاج إلى تفكر، فمن غير التفكر والنَّبْط -أي استخراج ما في داخل هذ الكتاب- فلا يحصل لك التدبر، لا يحصل لك الارتقاء، (اقرأ وارتقِ) هذه منزلة تتعلق بالعلم.

فبعد أن فرغ -جل في علاه- من هذه القضايا على جهة الإجمال، كما رأيناها كأنها أمواج سريعة ملتصقة وراء بعضها البعض، وكل واحدة متعلقة بالأخرى، جاء قوله -سبحانه وتعالى-: {وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ} تأتي مرات في القرآن من (آية) ومرات من (آيات) ؛ والفرق بينهما أنه إذا جاء قوله تعالى: {وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ} فهذا دلالة الاستغراق، يعني جميع الآيات، وإذا جاءت (من آيات) فهي دالة على التبعيض؛ أي بعض الآيات.

وهنا يريد أن يبيّن ربنا -سبحانه وتعالى- مقدار عَنَت وتكبُّر ورفض الكافرين للحق، لأنهم لو أتتهم كل الآيات فإن حالهم هو الإعراض، وسنرى في هذه الآية والتي تليها مراتب الذين يتعاملون مع آيات الله بغير إيمان، سنرى ثلاث مراتب كل واحدة تلحق الأخرى بطريقة عجيبة تدل على أن واضع هذا القرآن وأن متكلِّمه هو الله -جل في علاه- لا غير، فقوله: {وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ} أي لو أتتهم كل الآيات. لأن (مِن) عند أهل حروف المعاني تأتي بمعنى البيان، وبعضهم أخذ قوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ} بمعنى ولتكونوا أنتم أمة، وجعلوا (مِن) هنا بيانية تبين ما بعدها لاستغراق صفة التي تليها. وتأتي بمعنى التبعيض، مثل: أكلت من الطعام، فهذه بمعنى بعض. فأنت إذا جاءتك (من) وراءها كلمة (آية) فاعلم أنها بيانية، بمعنى الاستغراق؛ أي استوعبت جميع أفراد المذكور وهو هنا الآية.

{وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} ونحن قلنا أن هناك مراتب للإعراض؛ هناك التعامل باللهو كما رأينا في سورة الأنبياء: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} هذه مرتبة، {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} هذه مرتبة أخرى، فالإعراض شيءٌ آخر يقابله وهو أعظم منه في الجرم وهو اللهو عند السماع. الإعراض؛ يدعوك لتسمع فتقول: لا أريد أن أسمع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت