الصفحة 127 من 277

منك، هذا كفر الإعراض، والكفر أنواع كله يؤدي إلى عدم تصديق الرسل وعدم اتباع أوامرهم. والكفر كله إعراض ولكنه يتنوَّع، وكله يبدأ بالإعراض لكنه يرتقي، كما سنرى أنه قال: (أعرض، كذب، استهزأ) ، كما سنرى في الآية التي تليها. وكما قال الأعرابي للنبي - صلى الله عليه وسلم:"إن كنت نبيًا فأنت أجلُّ من أن أسمع لك، وإن كنت كاذبًا فأنا أجلُّ من أن أسمع منك"أغلقها، هذا لا يريد أن يسمع، هذا هو كفر الإعراض، لا يسمع منه، يدعوه فيُعرض عنه.

كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الثلاثة الذين دخلوا وهو جالس مع أصحابه، ولم تكن سنته مع أصحابه هذه الذي ترونه من التوزُّع -ولا بأس بهذا اليوم يكفي أن الناس يجلسون في المسجد-، فكان من سنته إذا جلس النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أصحابه أن يجتمعوا، فدخل رجل فوجد فُرجة فجلس فيها، وجاء آخر فجلس خلف الصف بعيدًا، وجاء ثالث فلم يرَ فرجة ولم يرَ مكانًا فنظر إليه ثم خرج، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟) يريد أن يخبرهم مقامات هؤلاء، (أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه) [1] ؛ وهنا الإعراض في هذا الحديث ليس إعراض الكفر؛ لأن الكلمة لها مراتب في المعاني، فالكافر أعرض إعراضًا كليًا، لكن هذا الرجل لم يعرض إعراضًا كليًا قد يكون مسلمًا ولكن أعرض عما حضر من الخير الذي كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، فقال: (أعرض) فهذا هو الإعراض أن لا يريد أن يسمع، فهؤلاء مع هذه الآيات كانوا المعرضين.

ما المقصود بالآية؟ قلنا أن الآية الشيء العظيم؛ لأنها دليل، والآية كذلك تدل على الطريق، تدل على الشيء الذي تحتها، ولا يكون الدليل الذي يستغرق هذا الاسم إلا إذا كان بينًا، واضحًا جليًا، ومن هنا قالوا أن الآية هي الأمر العظيم، والذين يقتصرون على تسمية الشيء بأثره، وهذا من فنون العربية أنهم يسمون الأشياء بأسماء متعددة، مثلًا أنهم يسمون الشيء بما سيكون، كما قال رجل في رؤياه: {قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} هو يعصر عنبًا، ولكن لما كان مقصود هذا العصر إن يُحصِّل من هذا العنب خمرًا قال عن العنب بما سيُحصِّله وهكذا، أو تسمية الشيء ببعضه كما ضربنا المثال سابقًا أَصَابِعَهُمْ فِي

(1) صحيح البخاري: (66) ، صحيح مسلم: (2176) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت