آَذَانِهِمْ هو لا يضع إصبعه كله وإنما يضع رأس إصبعه وهكذا. وهذا أسلوبٌ في العربية من بلاغتها، ولماذا يستخدمون هذا؟ هذا فنٌ آخر، لماذا قال: (أصابعهم) ولم يقل: (بعض أصابعهم) ؟ هذا مقصود، لما أراد التغليظ على مقدار ما يسمعون من إغلاق آذانهم من السماع قال: (أصابعهم) ، من أجل أن يُدلِّل على الفعل، فأتى بالجزء الإنساني -وهو إصبعه- كاملًا من أجل أن يدل عليه. وهذا يستخدمه العربي ليس فقط للتفنُّن، ولكن هو في نفسه معانٍ، ولذلك قلنا أن العربية عظيمة لوجود هذه المواد التي استخدمها العربي، فجاء القرآن واستخدمها ليُدلِّل على إعجازه.
فقوله: {وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} ؛ الآية دليل فإما أنها دالة على ما يريد الله من أحكامه وشرعه وأوامره، فهي آية قرآنية، دالة عمَّا يريد ربنا من عدله في الأحكام والشرائع والأوامر، فقد تكون الآية تشريعية. وقد تكون الآية تكوينية؛ الله -عز وجل- خلق السماوات هذه آية، خلق الأرض آية، خلق الرياح آية، خلق الظلمات آية، خلق النور آية، فكل ما في الوجود هو آية؛ لأنها دليل على خالقها، كما ذكرنا بيت الشعر المشهور:
وفي كلِّ شيءٍ له آية ... تدلُّ على أنه الواحِدُ
والآية الكونية في هذا الباب هم يرونها، ولكن المقصود صدق النبي، إن لم يكن المقصود الآية التشريعية -وهذا الذي عليه أغلب المفسرين-، فيكون المقصود بقوله (آية) التكوينية؛ أي المعجزة التي تظهر على أيدي الأنبياء فيما هو خلاف السنة الجارية، مثل: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} فالقمر انشق، قالت العرب: نريد دليلًا على صدق نبوتك، فالله -عز وجل- أمر أن يضرب بيده على القمر فانشق إلى قسمين، صار كل قسم إلى الجبل المقابل له، هذه آية، مثل ما حدث مع موسى-عليه السلام - في عصاه، هذه آية. فالمقصود بالآية هنا التكوينية؛ الآية المعجزة.