الصفحة 140 من 277

استهزاء، كما إذا قال واحد لآخر: تدخل النار، قال:"احنا عنا النار أصلًا جمرة مشان نشرب دخان، أهل الجنة ما عندهم نار فما بشربوا دخان"!! وهكذا، {فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} ، يقول: سيقع عليكم العذاب، يستهزؤون، تخوّفنا بالله؟ أنت نبي؟

وهذه ليست فقط للأنبياء، سعد بن أبي وقّاص -رضي الله عنه- خال النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مُجابة الدعوة، فمر يومًا على الجسر فوجد رجلًا يسبّ عليًّا وعثمان، فأسكتهم، قال: اسكت، فواصل الرجل، فقال:"إن لم تسكت دعوتُ عليك"، هذه الكلمة من يتعظ بها؟ المؤمن، الذي لا يخاف الدعاء لا يهتم بها، تقول له: آخذ منك مائة دينار، يرتجف، لكن تقول له: أدعو عليك، لا يهتم!

فقال له: أوتهدِّدُني كأنك نبي؟ فدعا عليه سعد قال:"اللهم أَطِل عمره وأسئ عمله وعرِّضه للفتن"، فكبر الرجل حتى هرم، وحتى سقط حاجباه على وجنتيه من الهرم، وعُرِّض للفتن فكان إذا مرّ فأُخبر بجارية مارّة جعل يلاحقها على شيبته وكبره، وكان يقول:"أصابتني دعوة سعد". فلذلك إذا خُوِّفت بالله عليك أن تخاف؛ لأن الله -عز وجل- حين يُمهل لا يهمل، وإنما يتركك لتتوب.

قال: {فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ} والنبأ هو الأمر العظيم، ومنه أُخذت النبوّة، وهو الخبر، ولكن الخبر قد يكون قليلًا وقد يكون عظيمًا، ولكن النبأ لا يكون إلا عظيمًا، ولذلك قال: {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ} فالنبأ هو الأمر العظيم، لذلك قال الله -عز وجل-: {فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} ، طيب لماذا قال (أنباء) ؟ ذكرنا أن الجمع يأتي للتعظيم، {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ} من أنزله؟ الله، لكن جاء بصيغة تعظيم لتدلّ على تعدّد الفعل وعلى كبره.

قال -سبحانه وتعالى-: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت