الصفحة 141 من 277

القرن مأخوذ من القرين، ولذلك يسمى القرن على رأس الدابة لأنه ليس واحدًا بل لا بد له من قرين. والقرن هنا إما يُطلق على الزمن، لماذا سُمي الزمن قرنًا؟ للعلماء مذهبان في هذا؛ المذهب الأول المشهور للزّجاج: المقصود بالقرن الزمني ذلك لأنه لا يُمكن أن يقع معه أكثر من جيل، لا بد أن يَقرِنه بجيل آخر، كقوله - صلى الله عليه وسلم: (أعْمارُ أُمَّتِي ما بين السِّتِّينَ إلى السَّبعينَ) [1] عادةً، ولذلك القرن مائة عام، قالوا: ستين وقالوا: سبعين، فلأنه يقترن بجيلين، فلما كان الزمن يقترن مع زمن آخر سُمّي قرنًا، هذا قول.

وقال آخرون: المقصود بالقرن لأن الإنسان يقترن به، فهذا معنى آخر.

فالقصد أن المجموعة من الناس قرن، والمقصود قرن من الزمان، وقلنا مأخوذ من القرين، فقال سبحانه: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا} قال أهل العلم: هذا خطاب موعظة وتذكير، الله -عز وجل- يذكرهم بما يرون من هلاك الأمم السابقة، كما قال -سبحانه وتعالى- عن قوم لوط: {وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ} فهم رأوا أممًا سابقة، ورأوا قوم تُبَّع وهم أقرب الناس إليهم.

طبعًا اليوم إحدى قضايا الصراع والجهاد بيننا وبين خصومنا قضية النظر إلى عِلَّة حركة التاريخ؛ لما في بلد من البلاد يأتي فيضان، تنزل المياه فتغرق البلاد وتُهلك الحرث والنسل، إلخ. المؤمن ينظر إلى فعلَّة حركة هذا الفعل أنه مُتعلِّق بالغيب، متعلّق بالطاعة والمعصية، وعلى المؤمن أن يربط هذه الحركة بالطاعة والمعصية. وغيره لا يريد هذا ولا يحبه، هو يراها ولا يستطيع أن ينكرها، يرى المياه تنزل وتُدمّر الأراضي وتُهلك الحرث والنسل، لكنه يكره أن ينسبها إلى سبب هو يمارسه وهو المعصية، فالناس يُقرِّون بهذا، ولذلك قال: {وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا} ماذا يقولون؟ {سَحَابٌ مَرْكُومٌ} ، هذا فقط سحاب تجمَّع ونزل. والناس يفسّرون الشيء بالشيء؛ لماذا نزل المطر؟ قال: بسبب تجمّع الغيوم، طيب لماذا تجمعت؟ يقول: تبخرت، طيب ليش تبخرت؟ ارجع إلى أساسها.

(1) صححهُ الألباني في صحيح الجامع: (1073) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت