والتمكين الثاني: وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء ، فهذا التمكين الثاني هو إصابة المُمَكَّن لطلبه. هما نقطة واحدة؛ الأول هو إفلاتك من مقصد خصمك فيك، هذا تمكين، لأنه كما قلنا أن التمكين من (المكَنَة) وهي القدرة والقوة، في إمكان يعني في قوة، فمكَّن أي صار له القدرة. فإذا فلت من مراد خصمه فهذا تمكين. وهو كما ترون تمكين سُلُوبيّ كما يقولون. والثاني هو تمكين أنه هو الذي يُنفذ إرادته في غيره؛ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء ،فإذًا هو يتبوَّأ، يفعل ما يريد، فهذا تمكين.
هناك من ألَّف بعض الكتب ويريد أن يجعل التمكين المطلق كما سماه الله -عز وجل- في قوله: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ والمقصود فيها هنا الحكم والسلطان؛ لأن السلطان قدرة ومكَنَة، فسمى الله -عز وجل- السلطة أي أن يقبض المرء على السلطة ويكون له الملك والسلطة، قال:} الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاة هذا تمكين وهو صار له القدرة في أن يُنفّذ مراده.
الأول فلت من مراده، هذا تمكين وهو تمكين لغوي -وهنا نفتح باب-؛ لا يجوز أن يُقيَّد المفهوم الاصطلاحي بالمفهوم اللغوي. لماذا؟ مَن أَوْسع أولًا المفهوم اللغوي أم المفهوم الاصطلاحي؟ المفهوم اللغوي أوسع لأن الاصطلاحي أصلًا هو مشتق من بعض معاني اللغوي، مثلًا كالصيام
خيلٌ صيامٌ وأخرى غير صائمةٍ ... تحت العَجاجِ وأُخرى تَعلُك اللُّجُمَ
فما معنى الصيام هنا؟ (خيل صيام) أي التي لا صوت لها، محبوس صوتها، (وأخرى غير صائمة) أي لها صوت، (تحت العجاج) أي في الحرب، (وأخرى تعلك اللُّجم) جمع اللجام.
فالصيام بالمفهوم اللغوي هو الامتناع، صام امتنع إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا امتنعت عن الكلام. لكن بالمفهوم الاصطلاحي الشرعي الصيام مقيد وهو الامتناع عن الطعام والشراب والشهوة. فإذًا اللغة أوسع دلالة، هذا معروف، قالوا فقط في كلمة الإيمان -وقد اخطأوا، ولكن لا بد أن تُذكر-، قالوا: إلا