الصفحة 162 من 277

مصطلح الإيمان فإنه في المفهوم الشرعي أوسع من المفهوم اللغوي، ذلك لأنهم يجعلون الإيمان بالمفهوم اللغوي هو التصديق، والإيمان بالمفهوم الشرعي أوسع من التصديق. وهذا خطأ، حتى إن شيخ الاسلام في كتابه (الإيمان الكبير) يقرر أن مصدر كلمة (آمن) ليس كمصدر كلمة (صَدّق) ، ويُرجع إليها ليس هذا مكان الكلام فيها.

فالقصد التمكين {مَّكَّنَّاهُمْ} يجب أن يُنظر إليها إلى معنى صرفِها، فإذا كانت على المعنى اللغوي هنا تُطلق على أنه صار عنده المكَنَة والقدرة، وفلت من أعدائه. صار عنده المكنة والقدرة ونفّذ إرادته في غيره هذا كله تمكين. لكن التمكين الذي يبحث عنه المسلمون إنما المقصود به هو السلطة، أن يصبح للمسلمين سلطة وقيادة لمكان من الأمكنة.

قوله تعالى: مِّن قَرْنٍ ، ذكرنا معنى القرن وقلنا بأن المدة الزمنية سُمّيت قرنًا لأنه يقترن فيها جيلان؛ فمائة عام عادة لا يكون فيها جيل واحد، يكون فيها جيلان أو ثلاثة، في أولها وآخرها. فسُمي اقتران الجيل بالجيل (قرنا) . انظروا لروعة اللغة العربية!

وانظر كم تفرَّع من هذا اللفظ من فنون لغوية في ذهن العربي، كيف كان يهجم على اللفظ فيستنبط منه كلمات رائعة. (عَقَلَ) معناها ربط، سمّي العقل عقلًا لأنه يعقِل أي يربط صاحبه عن السفاهات، فسموه عقلًا، مأخوذ من الحبل المعقود. وسموا الزوجة (عقيلة) لأنها مربوطة في البيت، محبوسة لزوجها، -واليوم لا يصح أن تسمى المرأة عقيلة، لأنه ما في امرأة مربوطة-. ويقال عن الدِّية (عاقلة) لأنهم كانوا قديًما إذا أحضروا الدية ربطوها بباب بيت صاحب الطلب فيعقلونها. وسموه (عِقال) لأن العربي كان يربط فيه على رأسه لتمشي الدابة بدلًا من أن يبقى ممسكها. انظر هذه الكلمة كيف تفجرت منها هذه المعاني، ووصلت للجَمَل، ووصلت للمرأة، ووصلت للدماغ، وأصلها (ربط) . هذا فن العربي الذي كان يتنغم بهذه اللغة الشريفة العظيمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت