من أجل أن تعرفوا أن أجدادكم عظماء، أعظم من اليوم. اليوم أعظم ما يصيب البشرية هو احتقار الأجداد. دعني أسأل سؤالًا من أعظم ذهنًا وفقهًا وذكاءً وعبقريةً وعقلًا الذي صنع رغيف الخبز أم الذي صنع الكمبيوتر؟ من هذا الذكي الذي شقَّ بصره نفاذًا وعبقريةً إلى أن يعرف أن حبة القمح يُمكن أن تُنتج كل هذا الإبداع؟! ينظر إلى هذه الجموع التي أمامه من النباتات، فيعرف أن هذا السر الغريب جدًا في حبة القمح، ويأخذها لا يمضغها ويأكلها فينتفع بها، إنما يأخذها ويجفّفها ويطحنها ثم يعجنها ثم يخبزها ليأكلها! هذا عبقري، هذا ذكي ويفوق في ذكائه مخترع الكمبيوتر.
ولذلك يقول -رحمه الله- أستاذنا الكبير العظيم المظلوم مصطفى صادق الرافعي في (وحي القلم) :"بعض الناس مثل حبة القمح؛ يؤخذ أولًا فيُعرَّض لأشعة الشمس حتى يحترق فينشف، ثم يؤخذ فيُطحن، ثم يؤخذ فيُعجن ثم بعد ذلك يضعوه في النار ثم يأكلونه"، فبعض الناس هكذا مثل حبة القمح تنتفع فيه البشرية وبالنهاية هو مسكين لا شيء سوى حبة قمح!
ذكرنا (أهلكنا) وبيَّنا أن الهلاك صور متعدِّدة في الوجود، وقلنا هنا في هذه الآية ذكر الله -عز وجل- ثلاث خصال عن هؤلاء الأقوام:
أولًا: مكَّنهم في الأرض، وأطلق التمكين في الأرض وجعله مطلقًا من أجل أن يذهب الذهن إلى كل المذاهب، {وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون} ، مكناهم أكثر منكم {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً} ، وهذا من التمكين.
وهنا لا بد من موضوع مهم جدًا في قراءتنا للقرآن؛ نحن"مساكين"أحيانًا نقرأ الخبر بعيدًا عن تاريخيته وجغرافيته، لأننا نظن أن الخبر الديني في القرآن يجب أن يرتفع عن التاريخ والجغرافيا، وهذا من أفسد قراءةٍ تحدث لأي كتاب في الوجود، وأفسد قراءة تقع على القرآن. يجب عليك أن تقرأ الأحوال أولًا في عالم السنن التي تجري، ثانيًا بخضوعها لجغرافية المكان وتاريخية المكان. فلما يقول الله: وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ