ومنطلق هذا هو أن تدرك كيف وما هي الوسائل التي كان بها هذا القرآن معجزًا، لا بد من هذا.
وهذه قضية كما ترون خفية عن الدعاة والوعاظ وغيرهم، هم يطوفون حولها بوسائل أخرى، ويريدون أن يعيدوا الناس إلى الدين، ويخاطبونهم، وتجد بعض المشايخ يرفع صوته، ويريد ما يسمى بالقراءة التفسيرية، والقراءة الإشارية. يريد أن يرفع صوته ويبكي، ويتصنع البكاء ليؤثر على الآخرين. وكل هذه ما هي إلا هوامش من أجل صناعة التأثير.
أما السبيل القوي لصناعة التأثير في قلب السامع هو أن يكون السامع متذوقًا للكلام وعالما به، عارفًا من الذي يتحدث. عندما يأتي شيخ ويتكلم بالخزعبلات والأساطير ويخرج الناس يقولون: ما شاء الله على الشيخ، فهذا يدل على أنهم لا يعرفون ولا يفرقون بين ما يُقال فيه العلم، وما لا يُقال فيه العلم.
عندما يأتي واحد يقرأ كلام الله ولا يُحْدث فيه أثرًا إلا كما يحدث الحبل الذي فيه بعض الكهرباء، بخلاف ما أن يأتي هذا القرآن فيهز صاحبه ويقول كما قال أبو بكر -رضي الله تعالى عنه-: هذا لا يخرج من إلّ.
ما هو منطلق هذه القضية؟ كيف تلج هذه النقطة التي بين يدينا؟ هي ما سنتحدث عنها في الدرس القادم -إن شاء الله -عزَّ وجلَّ- ونفتتح بها.
وأنا لا أحب المقدمات الطويلة للمواضيع، لأن موضوعنا هو تفسير سورة الأنعام، لكنها قضية مهمة من أجل أن نعرف لماذا نريد قراءة هذه السورة. نحن نريد قراءتها من أجل أن نعيد إحياء ذائقة البيان. يعني أننا نريد أن نحيي إنسانيتك، لأن ذائقة البيان إن اهتممْتَ بها؛ صرت سامعًا ملقيًا لذهنك، وما مللت كتاب الله ولا أعرضت عنه، ولا استمعت له وأنت لاعب أو لاهي، ولا وقع على قلبك آيات مواعظه وهي لا تؤثر فيك! بل يصبح الطريق بينك وبين هذا القرآن سالك مطروق.
أسأل الله -عزَّ وجلَّ- أن يتقبل مني ومنكم، وجزاكم الله خيرًا، والحمد لله رب العالمين.