في الاستنباط والنظر في القرآن. فقالوا:"هذا كتاب عمومات، ولك بعد ذلك أن تملأها؛ إما أن تملأها بالسنة، أو أن تملأها بالفكر وتملأها بالتجارب". وهذا باطل وغير صحيح.
نعم؛ القرآن ليس كتاب جغرافيا وليس كتاب فيزياء؛ لكن القرآن كتاب القيَم، وكتاب حركة الأنبياء من أجل تحقيق النصر والفصل بينهم وبين أعدائهم، والقرآن فيه الكفاية التامة في هذا الباب. ولو أردنا الهداية، وأردنا النجاح، وأردنا العزة والسؤدد، وأردنا تغيير هذا الواقع من قيمه الجاهلية إلى قيم إيمانية صحيحة؛ فلا بد أن نعود إلى القرآن، ومن غير عودة إليه لا يمكن أن تحيا الأمة ولا يمكن أن تعود. وطريقة إحياء القرآن هو أن نتذوقه.
والقرآن كلام عرب، {وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا} ، قال الله عن القرآن أنه: {قرآنا عربيًّا} ؛ ولكن في هذه الآية من سورة الرعد كان الحديث أبعدَ في أن جعله {حكمًا عربيًّا} ، وكأنَّ القرآن ليس فقط كلامًا يماثل لغة العرب في خطابهم؛ لكنه كذلك يمازج مزاج العرب في سلوكهم، فجعله حكمًا عربيًا.
ولذلك الإمام الشافعي -رحمه الله- جعل معيار الخبث حين يغيب النص هو العربي. وهذا ليس من قبيل العنصرية؛ ولكن لأن هذا المجتمع العربي مجتمع بقيت فيه الكثير من آثار النبوة -المقصود ليس عرب اليوم، بل أمة العرب الذين نزل عليهم القرآن-، وبحمد الله ما زال العرب هم أعدل الناس أمزجةً، وهذا ليس من العنصرية، هذا من قبيل بيان أثر القرآن على هذه الأمة، وأثر النبوة عليها.
من الذي نشر الكرم في أمة العرب؟ الذي نشر الكرم في العرب هم الأنبياء، هو إبراهيم -إمام الكرماء- وابنه إسماعيل -عليه السلام-، وكذلك الصدق في الكلام والشجاعة، من أول من زيل الخيل؟ هو إسماعيل -عليه السلام-، بمعنى أنه دجنها. من أول من فُتق لسانه بهذه اللغة الشريفة الجليلة التي هي اللغة التي استوعبت إعجاز القرآن؟ هو إسماعيل -عليه السلام-.
وقد قال ابن خلدون -رحمه الله- بأن السبب في عدم وجود الإعجاز في غير القرآن هو أن اللغة التي نزلت بها الكتب السماوية الأخرى لا تستوعب الإعجاز، فالتوراة ليس فيها إعجاز، والإنجيل ليس فيه إعجاز، وصحف إبراهيم وموسى ليس فيها إعجاز، فلمّا كملت لغة العرب كمالًا عظيمًا شريفًا جليلًا؛ صارت آلةً تستوعب إعجاز القرآن.