فهذه الأمة لا يمكن أن تعود إلا بأن تعود إلى القرآن، ولا يمكن أن تعود إلى القرآن حتى يعود إليها تذوق هذا البيان العظيم.
كيف أدرك العربي أن القرآن كلام الله؟
وقد وعدت البارحة -وإن كان ليس هذا في إطار الموضوع- أن أوضح كيف أدرك العربي أن هذا القرآن هو كلام من الإله، وتكلمت البارحة عما يُسمى بالإعجاز العلمي مرورًا عليه، وقلنا أنه ليس إعجازًا.
نعم؛ هو من الآيات الدالة على أن القرآن من عند الله، ولكن هذا الإعجاز العلمي ليس إعجازًا، فالإعجاز هو الذي به تمَّ تمام البيان والبلاغة الذي تحدث به القرآن، وهذا هو الباب الذي لما لامس أسماع وقلوب العرب؛ أخرجهم من الجاهلية، من قوم لا قيمة لهم ولا شأن لهم في الحياة إلى أن يحكموا العالم، تنطلق إرادتهم على الخيول وعلى الجمال قاصدين بأن يبلغوا أقاصي الأرض وأن يحكموها، وأن يكسروا ويهمزوا الإمبراطوريات والدول! من الذي فعَّل هذه الإرادة العظيمة في قلوب هؤلاء البسطاء؟ إنه القرآن.
وأنا أفتتح بهذا لأنه جزء مهم في قراءتنا لسورة الأنعام، ونحن سنركض كثيرًا وسنلهث وسنتعب في محاولة إدراك بعض ما أدركه العرب حين سجدوا لهذا القرآن ولهذا الكلام العظيم الجليل.
العرب لهم موازين، فكيف أدرك العربي جلالة هذا القرآن وأنه لا يمكن أن يخرج من إنسان؟
أدركوا هذا من خلال نقطتين:
الأولى:
هي التي تكلمنا عنها: من خلال شعرهم وحكمتهم، ومن قواعد الشعر العظيم لد أنهى العرب أنه لا يُسمى الرجل شاعرًا حتى يكون حكيمًا، فإذا نطق بالحكمة عُدَّ شاعرًا، ثم يُنظر بعد ذلك إلى صياغة كلماته، وكيف هو يركب المعاني من خلال هذه الألفاظ المنثورة عندهم.