وللذكر أيها الإخوة الأحبة؛ نحن في حياتنا اليوم لا نستخدم من كتاب (لسان العرب) إلا عُشر ما فيه من جذور لكلمات، والعرب من أقصاهم إلى أقصاهم لا يستخدمون إلا عشر ما في (لسان العرب) من كلمات، وإلا فبقية الكلمات مهجورة. وأما عن (لسان العرب) فيقول أبو عمر بن العلاء:"نحن لم يصلنا من لغة العرب إلا القليل"! فتصور ما كانت عليه لغتهم من امتدادها.
وذكرنا البارحة قول الإمام ابن تيمية -رحمه الله-:"كلما اتسع ذهن المرء؛ اتسعت عبارته". لأن الكلمة تعبير عن حقيقة؛ إما حقيقة مادية مثل: مسجد، حائط، إنسان، وهكذا، وإما حقيقة معنوية: الصدق، الأمانة، الشجاعة، الوعي، الفكر، فكلما اتسع ذهن المرء؛ احتاج إلى عبارات أكثر من أجل أن يعبر عما يجول في ذهنه، ولذلك أوسع الناس ذهنًا في الأمم السابقة هم العرب.
قال الإمام الشافعي -رحمه الله- في (الرسالة) :"لا يحيط بلغة العرب إلا نبي، كما أنه لا يحيط بأحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا نبي"، أي: كما أن الحديث -جميع الحديث- لا يحيط به إلا نبي؛ فكذلك لا يحيط باللغة العربية وبجميع ما فيها إلا عربي.
فما هو الذي في نفس العربي السائر في الصحراء، المتأمل لهذا الوجود، الذي ينطق لسانه بالحكمة، ويتغني بها في فلواته وفي صيده وفي قيامه وفي قعوده وعلى فراشه؟ كيف فهم أن هذا القرآن من عند الله؟
العربي قد بلغ الذروة بالنسبة إلى هذه اللغة، لكنه كان يشعر بالنقص، كأن هناك ثمة ضوء بعيد مع هذه اللغة يركض إليها من خلال شعره: هو يركض، ويقول شعرًا عظيمًا ويتغنى به ولكنه مع ذلك يشعر أن هذا الكلام لم يبلغ ما يريد من تصوره وتخيله لكمال البيان الذي يطمع إليه، وهذا شيء يعرفه الصناع.
لو سألت صانعًا ما وقلت له: ما الذي تتخيله؟ يقول لك: في ذهني شيء إلى الآن لم أترجمه إلى واقع. فهو يعيش في خيال، وفي لحظة تأمل لبلوغ الكمال فيما هي صناعته.