والعربي صناعته الكلام، وهو منفذ القوة بالنسبة إليه في فهم كلام الله -عزَّ وجلَّ-، فكان العربي يحاول جاهدًا مع هذه اللغة الكاملة الشريفة الجليلة أن يصيغ كلامًا عظيمًا حكيمًا تامًا بليغًا جليلًا يصل إلى مرتبة ما أحدث في ذهنه من كمال مع هذه اللغة، لكنه يضعف.
وأنا أضرب دائمًا مثالًا في هذا: العرب تقول إن أشعر العرب هو امرؤ القيس، وفي مطلع معلقته يقف النقاد ويطربون لشطر البيت الأول الذي يُسمى الصدر، يقول:"قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل"، فهم رأوا أن هذه الكلمات القليلة قد أرادت أن تعبر عن شيء عظيم، وهو تذكر وذكَّر وبكى واستبكى ووقف وأوقف في هذه الجملة الصغيرة، فهم طربوا لها، لكنهم بعد ذلك أرادوا أن يروا هذا الكمال في الشطر الثاني فوجدوه كلامًا مغسولًا، ما معنى كلامًا مغسولًا؟ يقول العرب هذا كلام مغسول، يعني غسلناه فلم يبقَ فيه أي لون يُطرب له ولا يهتز له. فهو قال:
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكرى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ ... بِسَقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدُّخُولِ فَحَوْمَلِ
فبعد جلال الكلام الأول سقط وذكر أسماء قرى وأسماء أماكن!
فهم يشعرون بالضعف ويعجزون أن يبلغ كلامهم مبلغ ما يتصورونه من جلال الكلام، فلما جاء القرآن؛ التقطوه، ورأوا أنه يمثل لديهم ما تصوروه من جلال الكلام الذي لا يبلغ بعده جلال، ويبلغ من الكمال ما لا يبلغه كمال؛ فعلموا أنه لا يمكن أن ينطق به رجل، لماذا؟
للنقطة الثانية:
العرب الذين رأوا في القرآن مبلغًا لا يعرفونه من كلام حكمائهم ولا كلام بلغائهم، ولا كلام متكلميهم وخطبائهم؛ يعلمون أن الكلام يعبر عن نفس متكلمه، فإذا كان المتكلم شجاعًا؛ عبر الكلام عن شجاعة متكلمه، وإذا كان الرجل حكيمًا؛ تكلم عن حكمة، فدلالة حكمة الرجل عندهم هو كونه يقول كلامًا حكيمًا ويبين عما في نفسه، ودلالة شجاعة الرجل هو إبانته عن شجاعته.