الصفحة 23 من 277

فهم يعرفون أن الكلام يعبر عن نفس صاحبه، ولما نظروا إلى القرآن فوجدوا أنه لا يعبر عن نفس بشرية قط. حين يقول الله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ، هذا الكلام لا يمكن أن يعبر عن نفس بشرية؛ لأن النفس البشرية فيها الضعف، وهذا كلام فيه الكمال، ولا يمكن أن يكون في الإنسان الكمال.

فهم نظروا إلى جمال اللغة وعظمتها ثم نظروا إلى نفس المتكلم وعظمتها؛ فالتقى -كما يقول العرب- البطانان، وهما جمال اللغة في جلال عظمتها ونهاية كمالها مع جلال المتكلم في كماله أنه ليس فيه النقص وليس فيه الضعف، وليس فيه الحاجة، بل هو عندما يتكلم عن نفسه -جل في علاه- يعبر عن رحمة عظيمة، ويعبر عن هذه الرحمة ليس بضعف ولكنه يعبر عنها مع كبرياء، ومع هذه الكبرياء يعبر كذلك عن الرحمة.

هذه النقطة في الجمع بين الكمال في أنه عزيز، ومع العزة كمال الحكمة بها أدركوا أن القرآن هو كلام الله؛ فالناس يكون منهم العزيز الملك ويكون غبيًا وليس حكيمًا، وربما يكون الحكيم ولا يملك سيفًا ولا مالًا. ولكن هذا غني، عزيز، حكيم، عالم، وله نفس عظيمة عبرت عن إله عظيم؛ فعلموا أن هذا الكلام لا يمكن أن يخرج من إنسان، لأنه لو خرج من إنسان لظهر فيه الضعف إما من جهة البيان، وإما من جهة التعبير عن نفس متكلمه أنها ضعيفة.

هذا الذي شرحته لكم هو خلاصة ما جرى عليه العلماء الكبار في تفسير ما يُسمى بالإعجاز القرآني، منذ أن تكلم الإمام الباقلاني، وهذه أسماء عظيمة، ولو كنا أمة تحترم ثقافتها وتحترم تاريخها؛ لكان أمثال هؤلاء العلماء نعرفهم أكثر مما نعرف آبائنا، فهؤلاء علماء عظام، أورثوا لنا هذا العلم وكشفوه، وأرادوا أن يبينوا لنا قبسًا من نور هذا الكتاب العظيم فتحدثوا.

وباب الإعجاز هو باب الهداية، باب الإعجاز هو باب الفقيه، ولا يمكن للفقيه أن يأخذ من القرآن حتى يكون عالمًا بهذه الأبواب، ولا يمكن للخطيب أن يُفعِّل القرآن في أذهان سامعيه حتى يكون عالما بهذه اللغة الشريفة وبمصادر جمالها، وبكيفية صياغة الجملة الجميلة الجليلة العظيمة.

ونحن نحاول أن نقف وقوفًا يسيرًا على بعض ما قاله الأولون، وقد نأتي إليه من جهة أخرى وإلا فهي صورة مكرورة قد عرضها الأوائل، ونحن نتكلم فقط عما قالوه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت