وهذا يدلنا على أمر مهم، لماذا يتكرر أمر خبر السماء في حدوث الخصومة بين آدم وبين إبليس كثيرًا في القرآن؟ ما فائدته؟ لماذا يتكرر هذا الخطاب في سورة البقرة، وفي سورة ص، في سورة الحجر، وفي سورة الأعراف؟ يتكرَّر هذا الخطاب: من أجل أن يُنبِّه الإنسان على أصل مُصيبته، فإنَّ أصل مصيبته في نزوله إلى الأرض؛ لذلك قال الله -عز وجل-: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ} ، لو سأل سائل: كيف أعلم أنه عدو؟ هكذا حدث مع أبيك. ما سبب نزولك إلى الأرض؟ هو بسبب ذلك.
هذا واحد، هذا مهم وما نحتاجه هنا وما يلزمنا في هذا الباب، فمن أجل قطع الحجة والإعذار أنه قد وقع، وأخبرتك، ووقع في السماء كذا وكذا فأنت رأيت، وما وقع في السماء انتهينا منه. وهذا رد على النصارى الذين يقولون بأن البشرية تحمل الخطيَّة، أساس المذهب أو الديانة النصرانية أن الإنسان مخطئ مذنب، ولم ينفعه كل ما قام به من توبة ولا من تضحيات وإراقة دماء، فبالتالي أرسل الله ابنه كما يقولون، سبحانه وتعالى عمَّا يقول يقول المجرمون بنسبة الزوجة والولد له.
فانتيهنا خلاص غفرتُ لأبيكم، انزلوا الآن أنتم حالكم كحال الحجر الأبيض الذي صار أسودًا، الحجر الأسود ما أصله؟ أبيض فأنتم كذلك، ولكن هذه التجربة لا بد أن تكون حاضرة في أذهانكم أن سبب وجودكم على الأرض ما وقع في السماء.
فالله يُعلِّم، والله -عز وجل- لا يُفاجئ العبد ولكن يُمهِّد له، هذه طريقة القرآن وهذه طريقة الشرائع. ومن ذلك أن الأنبياء من لوط وما قبله -عليه السلام- لم يكونوا يُبعَثون في الذَّروة من أقوامهم؛ ولذلك قال لوط: {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ} قال - صلى الله عليه وسلم: (ويرحمُ اللهُ لوطًا، لقد كان يأوي إلى ركنٍ شديدٍ) [1] ، لكن الغضب يُذهل، ونسي لوط أن النصر عنده في البيت. وهكذا الإنسان يكون الرزق فوقه وفي بيته ومع ذلك يجزع، ويكون النصر بين يديه حاضرًا ولكن يجزع وييأس وهكذا، ويكون الموت حاضرًا ويطول أمله، فهذا الإنسان ضعيف، ولوط -عليه السلام-من شدة غضبه قال: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ
(1) صحيح البخاري: (3372) .