الصفحة 247 من 277

بعض أهل البلاغة لهم كلمة جميلة، قالوا: هنا أقام النظر سببًا للمشي؛ فكأنه يأمرهم {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا} أي اذهبوا للأرض من أجل النظر. لكن لو قال: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا} إنما هو من أجل بيان أن النظر أمرٌ يحدث في السّفر والسّير دون الأمر به. يقولون: لو أن رجلًا خرج مثلًا من أجل التجارة أو من أجل النزهة وليس من أجل النظر، فمن حقّ هذا السّير عليه أن يُشرك النظر فيما خرج إليه. ولذلك قالوا: (أبطأ به) ، وأنا قلت لكم: البلاغيّون لا يقبلون أبدًا التفسيرات السريعة، مثل:"ثم: للتراخي"، لكن يبحثون في لماذا تراخت (ثم) ؟ تراخت ثمّ لأنها ليست المقصودة أولًا، لكن لما كان النظر هو المقصود جاء بقوله (فانظروا) .

فلما جاء النظر شيئًا زائدًا عن مرادك في الخروج، أنت خرجت من أجل التجارة فلا تُفوّت وأنت خارج من أجل التجارة أن تنظر؛ لأن كفار قريش هؤلاء يخرجون للسّفر في الشمال والجنوب في -رحلة الشتاء والصيف- من أجل التجارة، فيقول لهم وأنتم في خروجكم هذا {ثُمَّ انْظُرُوا} . فهم يمرّون على مدائن وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ.

قال تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} ، ما زالت المسألة فيما نحن فيه فقط من أجل تذوّق القرآن.

لما ذكر الدمار علّقه على الاستهزاء {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ ... فَحَاقَ} لكن لما ذُكر التّكذيب جعله عاقبة، قال: {سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} ؛ الاستهزاء (فحاق) لأنه إذا وقع الاستهزاء فهو نهاية النذارة، نهاية إقامة الحجة، ولكن التكذيب ذكر عاقبته، وهذا مما يدل على ما نحن فيه.

كما أنه -جل في علاه- سلَّى قلب رسوله - صلى الله عليه وسلم - وطمأنه بأنه {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} فلن يضيّعك، ما دمت أنت على طريق {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} على ما مشى عليه الأنبياء فالعاقبة واحدة التي وقعت على الكفار الذين كذبوا بالأنبياء، ولذلك في سورة الشعراء الله جعل لكل نبي من الأعداء ما كذب به المرسلين، قال -سبحانه وتعالى-: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} قال: (المرسلين) ولم يقل: (الرسول) ؛ لأن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت