قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سورة فُصّلت على الذي المغيرة الذي جاءه من المشركين وطلب منه أن يقرأ عليه من القرآن، فقرأ عليه سورة فُصّلت -عليه الصلاة والسلام-، لكن نحن لا نلاحظ في حديثه إلا خطابًا ذاتيًا؛ والسبب الذي نفهم منه حكمة هذا الأمر أنه على الداعية أن يُراعي المُخاطَبين في لغتهم، أولًا عليه أن يقرأ عليهم القرآن؛ لأن القرآن فيه سرّ، ولكن قد يرتقي مفهوم القرآن عن مفهوم سامعه، وعن مستوى مُتلقِّيه، فلا بد أن تُخرج هذا الخطاب من هذا الثوب العظيم إلى خطاب من تتكلّم معه، وهذا كالتُّرجمان ولذلك يُسمى ابن عباس: ترجمان القرآن، ما معنى الترجمة؟ الترجمة هي التفسير.
فرسولنا - صلى الله عليه وسلم - يُترجم القرآن، فلما يقول له الله -عز وجل-: (قل) هو يأخذ هذا المعنى -عليه الصلاة والسلام- ويترجمه خطابًا لهم عند ضرورته. ولكنه في الأصل يقرأ عليهم القرآن. هذا من الفوائد التي ينبغي أن نهتم لها.
قوله: {قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ} ، هذه فيها أمران؛ الأمر الأول: إعادة إلى ما تقدّم قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ} ، وقلنا: قد يخلق المرء ويبيع خِلقته، قد يصنع الصانع صِنعته وللحاجة يُهديها لغيره أو يبيعها، لكن ربنا -سبحانه وتعالى- خلق السماوات والأرض وما زالت هذا السماوات والأرض له وتحت ملكه، فهي خاضعة له -جل في علاه-، فهنا (له) ؛ أي لملكه.
{قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ} هذا -كما قلنا- سؤال تقريري، بمعنى أنهم -كفار قريش- لا ينكرونه، ولذلك قال الله -عز وجل- كما في سورة لقمان: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} فهذه القضية هي محلّ إجماع ومُتَّفق عليها، فهم لا ينكرون ربوبية الله بخلاف بعض الملحدين، مع أنه لا يوجد على ظهر الأرض ينكر الخِلقة والإيجاد والابتداء، ولكن الناس على تفاوت في هذا الباب، وأما كفار قريش {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} . في سورة لقمان: {لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} ، فهم على اتفاق يؤمنون بأن الله خلقها. طيب لمن هي؟ فهذا مُقرَّر عندهم أنها لله، فإذًا لماذا تعبدون غيره؟ كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لحُصين والد عمران بن حصين، قال له: (كم إلهًا تعبدُ؟) قال: