"أعبد ستة في الأرض وواحدًا في السماء"، قال: (فأيُّهم تُعِدُّ لرغبتِكَ ورَهْبتِكَ؟) قال:"الذي في السماء"، قال: (إن احتجت شيئًا من تدعو؟) قال: الذي في السماء، قال: (فيستجيبُ لك وحدَه وتشرِكُهم معه) [1] ، فهم عندما يُصيبهم البلاء لا يدعون إلا الله -سبحانه وتعالى-، ولكن هذه الآلهة الثانية شفعاء ويعتقدون أن الله بحاجة لهؤلاء الشفعاء لتنفيذ أوامره.
فقوله: {قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} جاء الجواب: {قُلْ لِلَّهِ} لأنهم اتفقوا عليه، إثبات هذا الملك لله -عز وجل- ما هي آلة وجوده ودوامه؟ وما هي الصفة التي تتجلَّى فيه ابتداءً وانتهاءً وأثناءً؟ هي الرحمة؛ ولذلك القرآن كله يُبتدأ بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) ، والصفات إذا اشتُقَّ منها أسماء فتنوّعت هذه الأسماء دلّ على عظم هذه الصفة؛ فلما كانت الرحمة عظيمة تعدّد الاسم المشتقّ منها، وكما نرى في الحديث هي المُقدَّمة فلم يُشتقّ منها اسمٌ واحد بل اشتُق منها: الرحمن والرحيم، والرحمن كما قلنا أبلغ، لزيادة المبنى فدلّ على زيادة المعنى، الرحمن؛ (رحمن) خمسة أحرف و (رحيم) أربعة، فزيادة الحروف تدل على زيادة المعاني. وقلنا (ألف ونون) ما لم يكن مثنى فإنها تدلّ على المبالغة.
فإذًا صفة الرحمة مُقدَّمة، ولم يَشتَقَّ منها ربّنا اسمًا واحدًا له بل اشتق منها اسمان، وذلك لجلال هذه الصفة وعظمتها عند الله -عز وجل-.
هذه الرحمة أول شيء قامت بها السماوات، وبها تمّ إمداد ما في السماوات من عطاء، ما يعطيه الله -عز وجل- قلوب الآباء على الأبناء، ومن الأمهات، ومن المتصدّقين، من الدّابة، فهذه رحمة تغلغلت كل شيء. لولا الرحمة لما نبت الزرع، لولا الرحمة لما أشرقت الشمس، لولا الرحمة لما كان الليل والنهار، فعماد قوام الوجود على الرحمة. فلو أن هذه السنن غير ثابتة في الوجود كيف تكون حياة البشر؟ في الشقاء، مثلًا هذه الأرض التي تمشي عليها من السنة أن تكون صلبة، وهي رحمة، فتصوّر أنك اليوم خرجت إلى
(1) رواه ابن خزيمة في كتاب (التوحيد) وأشار الى صحته، ورواه الألباني بلفظ قريب ولكن ضعفهُ في ضعيف الترمذي: (3483) .