ولسان رسولنا يوم القيامة من أجل أن يسكن غضبه الذي لم يغضب مثله قط، فما الذي يُسكن غضب الله؟ الحمد.
الذي يُسكنه إذا غضب -جل في علاه- لما يفعل الخلق أو لما يحضر من الشر هو الحمد لله، فهذه كلمة كما قال - صلى الله عليه وسلم: (والحمد لله تملأ الميزان) .
طيب لماذا قال في الحديث الآخر: (وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض) ؟ لأن التسبيح تقديس وتنزيه، ومنه السباحة فإن المرء إذا سبح نقى ما فيه، وسبَّح بمعنى نُزِّه جلَّ في علاه، فإذا سبَّحت الله نزَّهته وعظَّمته وأجللته وأعظمته. فما في الوجود إنما هو دال على الخِلقة التَّامة الكاملة العظيمة، وهذه بالنسبة لنفسها فيما هي فيه تستحق التسبيح. بالنسبة لما هي وما فُطرت عليه وخُلقت عليه تستحق التسبيح، وأما كونها نعمة من أجل الخلق فتستحق الحمد.
ولذلك قال: (وسبحان الله وبحمده تملآن ما بين السماء والأرض) ، فإنها تستوعب الوجود بمجرد خلقه في نفسه وذاته، وتستوعبه بالنسبة إلى ما خُلق له وهو: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} فلذلك (سبحان الله والحمد لله) .
قوله: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} هل هاتان كلمتان أم كلمة واحدة؟ بعض أهل العلم قال: (سبحان الله والحمد لله) هما كلمتان، وأبو عبيد القاسم بن سلَّام قال: لا، هي كلمة واحدة. وما قاله أجَلُّ؛ ذلك لأننا قلنا إن الحمد يكون على النّعِم الاختيارية، بمعنى التي لا تتعدَّى إلى الآخر، فأنت تُسبِّح الله أي تُعظِّمه وتُنزِّه، وهذا التعظيم والتنزيه إنما لذاته -جل في علاه- فهو يُسبَّح بحمده لما فيه من خصال -جل في علاه- حتى لو لم تتعدى على غيره، فهي كلمة واحدة (سبحان الله وبحمده) ، أي أنني أُنزِّه الله، {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} تسبِّحه لأنه يستحق كل المحامد، وتحمده لأنه -سبحانه وتعالى- قدوس مُنزَّه لا يلحقه نقص ولا يلحقه عجز ولا ضعف {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} ، وهو حي قيوم.