الحمد هذه كلمة الله يحبها؛ ولذلك في الحديث يقول - صلى الله عليه وسلم: (إن اللهَ ليرضى عن العبدِ أن يأكلَ الأكلةَ فيحمدَه عليها. أو يشربَ الشربةَ فيحمدَه عليها) [1] ، هذه كلمة حبيبة إلى الله.
ومن توفيق الله للإمام البخاري أن آخر حديث في صحيحه هو قوله - صلى الله عليه وسلم - عند إثبات الميزان للأعمال: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) [2] . الآن المسألة واضحة، كيف وُفِّق هذا الإمام العظيم، هل درى أو لم يدري هذه لا ندري، لأن المرء قد يُوفَّق إلى أمور لم يقصدها فيكون له الأجر، يمكن أن تقول الكلمة لا تلقي لها بالًا فترتفع بها عند الله، فقد لا تقصدها ولكن الله من رحمته يُوقِعها لك على أحسن ما ينبغي أن تكون، فقد يكون الإمام البخاري قد قصدها وليست بعيدة عن ذهنه فهو إمام عظيم، وقد تكون من توفيق الله وهو أجَلّ، أن يفعل المرء على جهة الإرادة هذا خير عظيم، ولكن أن يُقِيمك الله -عزَّ وجلَّ- على جهة ما يحب من غير إرادة منك هذا دلالة على أن الله قد أعطاك خصالًا خاصة وعظيمة وجليلة.
فتأملوا هذا الحديث في آخر كتاب هو أصح الكتب بعد كتاب الله: (كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن؛ سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم) ، الآن فُسِّرت لأن الشرع كله قائم على التسبيح والتحميد، والخلق كله قائم على التسبيح والتحميد، فخاتمة ما يُقال بعد الخلق سبحان الله العظيم، وخاتمة ما يُقال بعد الشرع سبحان الله وبحمده، فهي مُستوعِبة لما خلق ومستوعبة لما شرع، فهي خاتمة كل شيء.
الآن هذه الكلمة (الحمد لله) كما ترون أنها من كلمتين، هذا إذا أزلنا ولم نعتبر حرف اللام، والحروف في اللغة العربية لها سِحْر وسِرَّ، فبمجرد أن يتغير الحرف يتغير المعنى، يعني الآن في سورة الأنعام: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ} الناس يعرفون (على) على أنها استعلاء، وعلى أنها رِفعة، ولكن يقول: {عَلَى رَبِّهِمْ} والناس الفلاحون إلى يومنا هذا يقولون:"أنا جيت عليك"، والآخر يتفلسف عليه يقول له:"أنا جيت"
(1) صحيح مسلم: (2734) .
(2) صحيح البخاري: (6682) ، صحيح مسلم: (2694) .