يستغرق حركة بدنه، وحركة لسانه، وحركة قلبه، كما أنه يستغرق ماله وكلامه وجميع تصرفاته. فهذه السورة تتحدث عن هذا بتوسع عظيم وببلاغ تام.
المسألة الثانية التي تتحدث عنها هذه السورة هي قضية الرسالة؛ لأن التوحيد يتعلق بأمر غيبي وهو ربنا -سبحانه وتعالى-، مع أن آثاره -كما قال أبو العتاهية-:
وفي كلِّ شيءٍ له آية ... تدلُّ على أنه الواحِدُ
إلا أنه غيب بالنسبة إلينا، وهذا الغيب لا يمكن أن يُدرك إلا بالرسالة.
وقضية الرسالة بالنسبة للمناوئين لرسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - قضية مهمة؛ فقد تكلموا عن شخصه، وتكلموا عن صفاته، وتكلموا عن وعوده التي حكى عنها وتكلم بها.
وأما المسألة الثالثة فهي قضية الآخرة.
فهذه أركان القرآن المكي، ويكون على جوانب هذه القضايا قضايا أخلاقية وقيَميّة هي أساس قيم الوجود، وهي أساس أخلاق الإنسان.
أهم القضايا التي تتطرق لها سورة الأنعام:
فسورة الأنعام تتحدث عن أصول القيم الإنسانية وكيف تربطنا بالتوحيد وبامتثال الرسول وبقصد بلوغ الجنان في الآخرة.
وهذه العمد الثلاث -يصح أن يُقال الثلاثة والثلاث على جهة الصفة وعلى جهة البدلية كما يعلم أهل اللغة- هي عماد الشخصية المسلمة؛ وهي أركان الشخصية المسلمة.
فالركن الأول هو توحيد الله -عزَّ وجلَّ- بأنك عبد، وأنت مفطور على هذه العبودية شئت أم أبيت؛ إما أن تكون عبدًا لله وإما أن تكون عبدًا لغيره. وكما أنك مفطور على حاجتك للطعام فأنت مفطور على حاجتك للرب فقرًا، وهذه ضرورية من ضروريات وجودك، ولذلك قالوا بأن الإنسان فقير بذاته.