الصفحة 6 من 277

والفقير بذاته يقابله الغني بذاته؛ فأنت قد تُصاب بالغنى، لكن هذا الغنى عارض من عوارض وجودك، وليس أصليًا فيك، فأنت غني بغيرك، ولولا المال لما كنت غنيًا؛ فأنت حتى في غناك فقير محتاج لغيرك، والله غني بذاته.

ومعنى الغنى الذاتي أنه لم يكتسب ربنا -سبحانه وتعالى- صفة الغنى لما خلق الخلق، فهو غني قبل أن يخلق الخلق، غني قبل أن يخلق العرش -وهو أعظم ما خلق الله-، غني قبل أن يخلق السماوات، غني قبل أن يخلق الأرض، غني قبل أن يوجَد على ظهر السماوات من يسبحه ويحمده ويثني عليه، فغناه ذاتي وأنت فقرك ذاتي؛ وما دمت أنك فقير بذاتك؛ فحاجتك لئن تكون عبدًا أمر فطري: لا غنى لك على أن تكون عبدًا، فيكون توحيدك لله -عزَّ وجلَّ- هو إملاء لهذه الضرورة، وهي ضرورة بمعنى أنك لو فقدتها؛ فقدت وجودك، بخلاف الحاجة التي إذا فقدتها تُصاب بالمشقة والتعب والعنت، ولكن الضرورة لو فقدتها فقدت حياتك، كالهواء، كالروح، كالرأس في بدنك.

فحاجتك للعبودية في نفسك هي ضرورية من ضرورياتك، والعبد المسلم يملأ هذه الضرورية بعبوديته لله؛ فإن ترك المرء أمرًا من عبودية الله ملأها بعبوديته غيره.

والإنسان بحاجة إلى الشرائع، لا يمكن للإنسان أن يعيش بغير شريعة، ولذلك من قديم قالوا أن الإنسان مدني بالطبع، ومعنى أنه مدني أي يحتاج إلى غيره، فما دام أنه يحتاج إلى غيره -كالزوجة والولد والشريك والجار والبائع والمشتري- إذًا هو يحتاج إلى شريعة. وخضوعك لشريعة ما هو امتثال للأمر، وامتثال الأمر فيه نوع عبودية.

فإما أنت تمتثل لشرع الله فتكون عبدًا له وإما لا يمكن أن تخرج إلى الفضاء، هل يمكن أن تخرج من شريعة إلى لا شريعة؟ لا يمكن؛ فإما أن تكون في شريعة نقية سوية، وإما أن تكون في شريعة باطلة غوية، إما أنك تسأل حين تحتاج أن تتوجه بقلبك إلى الله فتسأل هذا العظيم، وإما أن تذهب إلى آخر فتسأل هذا الآخر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت