قال: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ} بيان هذا في سورة الأنعام {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ} ، فبعد أن ذكر السماوات والأرض، وإلا فالسماوات والأرض إنما ليس فقط عظمتها بما خُلقت به وما خُلقت عليه وما خُلقت فيه، وإنما عظمتها لما خُلقت له، والإنسان هذا المسكين هو المشكلة، فبعد ذكر خلق السماوات والأرض يثنّي القرآن- كما نرى في مواطن أخرى- يذكر الإنسان، هنا قال في النحل: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ} فكّر فيها، انظروا في سورة السجدة لتروا بناء السورة، ماذا يقول الله -عز وجل-، صفحة 415، انظر وتأمل هنا التفصيل، قال: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ} ، ثم من بعد قوله: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ} ، هذا تفصيل، هذا الذي يسميه بعض علماء البلاغة"الاستطراد"، وهذه كلمة لا أحبها، وبعض أهل العلم كابن الأثير أنكرها، والأفضل تسميتها"فتح الأقواس"، هذه تسميتي لهذا النوع من أنواع البلاغة.
وهذا علم عظيم، نمر عليه مرورًا سريعًا؛ لا يمكن أن تربط آيات السورة مع بعضها البعض إلا بعد أن تعلم هذه القاعدة؛"فتح الأقواس"، واستبعدوا كلمة"الاستطراد"لأن معناها أنه شيء زائد. الناس كثير منهم لا يتّمتعون مع القرآن، لا يعلمون لماذا هذا؟ المتعة تنبع من العلم، كما قال الزمخشري:
سَهَري لتَنْقِيحِ العلوم ألذُّ لي ... مِنْ وَصْلِ غَانيةٍ وطِيبِ عِنَاقِ
وهذا ليس موجودًا اليوم!
انظر إلى ما بين أيدينا في سورة السجدة، وهكذا نراها في سورة التغابن، انظر إلى قوله بعد ذلك، قال بعد فتح الأقواس: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ} هذا من فتح الأقواس، قال: {ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} من فتح الأقواس قوله {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ} ، لا يمكن أن تفهمها حتى تطبِّق قواعد اللغة العربية والبلاغة عليها.