الصفحة 78 من 277

تنشأ، وهذا الذي قاله الأستاذ -جزاه الله خيرًا- يمكن أن يُستدل به على القول الثاني؛ أنه خُلق من طين ثم صار ماءً ثم صار كذا، فجعل الطين مرحلة من مراحل تكوين كل إنسان.

انظر إلى سورة الحج، يقول: {فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ} إذًا جعل التراب مرحلة من مراحل خِلقة الإنسان وتطوّره، فما دام كل إنسان خُلق من ماء ثم حدث معه ما قاله القرآن في سورة الحج، وجرى عليه هذا المجرى من كونه نطفة ثم علقة ثم مضغة مخلَّقة وغير مخلَّقة إلى آخر ما قاله ربنا -سبحانه وتعالى- فيه، ثم جعل -سبحانه وتعالى- التراب مقدّمةً لذلك، فيمكن أن يستدل بها المستدل. وسنرى هنا هذا النوع من التفسير؛ أن الاجتماع عند بعض أهل العلم لا يقتضي الكلي بل تكون المفارقة.

الآية التي وراء هذه الآية انظروا إليها، يقول الإمام الطبري في الآية التي تليها، قال: {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ} هذه (الواو) {وَفِي الْأَرْضِ} عند الطبري دون بقية المفسرين تفيد الاستئناف ولا تفيد العطف.

ما الفرق بين (واو) العطف و (واو) الاستئناف؟ واو الاستئناف تُلغي أو تُوقف الحديث الذي جرى وكأنه انتهى به الخطاب، وتنشئ خطابًا جديدًا، وهي كثيرة معروفة عند العرب، فالطبري يقول هنا {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ} هذه واو استئنافية يعني {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ} انتهى، والذي بعدها {وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ} هذه جملة أخرى مُستأنفة، ومعنى استأنف: يقال: الأمر أُنُف، يعني ليس له سابقة ليس له مقدمة.

وحتى تتذوقوا الكلام لتعرفوا شرف هذه اللغة؛ لأن شرف هذه اللغة وعظمتها هو منفذ لتذوّقك لكلام ربك، شرح الإمام السهيلي (سيرة ابن هشام) وسماه: (الرَّوضُ الأُنُف) ؛ وهو عندما يكون الروض في أوج كماله دون أن تمسه يد، يكون الجمال، حتى إذا دخل فيه الإنسان ودخلت فيه الدواب صار مرتعًا وذهب جماله وكماله. فأُنُف الشيء اربطوها بالأَنْف، وهو أصل النظر إلى وجه الإنسان، فإذا نظرت لوجه إنسان فإنك تنظر لأنفه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت