الصفحة 8 من 277

فلإملاء حقيقة المثال في نفسك أيها الإنسان؛ جاء الرسول، وجاءت الرسالة من أجل أن تبين لك أن التوحيد في صورته الواقعية والعملية، فأنت تحتاج إلى شخص يسير أمامك يبين لك كيفية العبودية، ويملأ هذا الشخص وجدانك ونفسك وعقلك وقلبك بالحب والطاعة.

من هنا كانت قضية الرسالة قضيةً مهمة، فكما أن التوحيد هو صراع بين الإله الحق وبين الآلهة الباطلة؛ كذلك قضية الامتثال هي صراع بين النموذج العظيم الذي هو رسولنا - صلى الله عليه وسلم - وبين النماذج الباطلة التي يصنعها الناس، فيقولون لهم:"ما أريكم إلا ما أرى". والناس الآن كما ترون يصنعون لأبنائهم النماذج، ووسائل الشياطين تصنع نماذج أخرى: ممثلين، لاعبي كرة قدم، مغنيين، إلى غير ذلك. فهذه صور الأمثلة الجاهلية التي يسعى فيها الإنسان ظانًا أنه بها يبلغ المثال ويبلغ بها الكمال.

القضية الثالثة بعد هذه القضايا وهي قضية المقصد، وهي قضية {إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ} .

فقضية الدار الآخرة هي مربط حركة المسلم، وهناك أمور لو حاولت أن تفسرها لغير المسلم فلن يقبلها إلا إذا آمن باليوم الآخر.

قضية الربا مثلًا؛ حدثوا ما شئتم عن محاسنها ومنافعها الدنيوية، ولكن حين نقف عند قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280] ؛ كيف يقبل التاجر في عالم آدم سميث:"دعه يعمل دعه يمر"، عالم الاقتصاد الرأسمالي الطاغي، والذي لا يعترف إلا بالقرش وحركته وكيف ينميه وكيف يكثره، كيف يقبل أن يقول عند العجز عن أداء الدين:"فنظرة إلى ميسرة"فقط؟! ثم يأتي إلى: {وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 280] . وهذه المسألة من مسائل الوجود، والناس يقولون -وقد صدقوا-:"المال عصب الحياة"، والله يقول أعظم من هذه الكلمة عن المال: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} [النساء: 5] ، كأن المال حقيقته كحالة تلك الشجرة التي لا تقوم بنفسها، وإنما تحتاج بجانبها لمن يقيمها -ولذلك الله قيوم، أي قائم على نفسه فلا يحتاج إلى أحد، وقائم على غيره فالكل يحتاج إليه-؛ فالله سمى المال"قيامًا"، فأنت لا تستطيع أن تقوم بأمر المال، المال قوام الحياة، عماد الحياة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت