وكذلك إذا ماتت ذائقة الأُذُن، وذكر الله -عز وجل-: {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} هناك فرق بين"أذن"و"أذن واعية"، فلا بد هذا أن يكون الإنسان على درجة عالية من الذوق والإحساس، إذا وقع الكلام الجميل فهمه وتفاعل معه، ليس فهمه وتغنى به وذهب، لكنه لأنه كلامٌ جليل، عظيمٌ فقيم، يسقط على النفس فتنفعل معه إرادة.
هذا هو الباب الذي أنشأ الصحابي؛ هذا الصحابي الذي نشأ في القِفار ومشى حتى وصل إلى الصين وحمل هذا الدين وسقطت أمامه الإمبراطوريات والأجناد والجيوش، كله بسبب هذا الانفعال مع هذا القرآن، ولذلك كان يكفي الصحابيّ وهو في أشد حالات ضعفه أن تُقال له آية فتنتفض إرادته كأنه الصقر، كأنه الأسد وينسى كل شيء إلا انفعاله مع هذه الكلمة التي سقطت على قلبه. هذا هو الذي نحتاجه.
اليوم يمر القرآن كما يمر الماء على الصفوان، ينزل المطر على الصخر الجمود القوي فقط يمسُّه مسًّا ويطرب له طربًا، ثم يمضي ولا يعود إليه، لا يُقيمه القرآن تلذذًا في قيام الليل، أين أنت من أن تقوم الليل وتهجر فراشك وأهلك من أجل أن تقوم مع القرآن؟! ليس فقط لأنه حقٌّ وكلام ربنا، لكن لأنه ينفعل به، كما ذكرنا مثال الصحابي الذي رضي أن يموت حتى لا يقطع قراءته لسورة الكهف، هذا هو الباب، ومقصد هذه الجلسات هذا الباب. ما يُقال في هذه الجلسات من حواشي علمية هي على الهوامش ولكن المقصود هو أن نتذوق الكلام تذوقًا علميًا وليس تذوقًا طربيًا، القرآن لا يُحدِث هذا، القرآن لا يُحدث طرب النشوى التي يُحدثها الشعر، ولا يُحدث طرب النشوى التي تُحدثها الخمر، ولا يُحدث طرب النشوى التي تُحدثه الآلات الموسيقية، لا يُحدث هذا؛ القرآن يُحدث أثرًا قلبيًا له تعلُّق في الإرادة التي تنبعث لتقوم وتغير، وأعظم ما فيه هو الكلام عن الله، أن الله يتكلم عن نفسه.