الصفحة 96 من 277

وهذا فهمه الصحابة -ليس من عندي-، لمّا النبيّ - صلى الله عليه وسلم - سأل أُبيّ المنذر: (أيَّ آيةٍ معكَ مِن كتابِ اللهِ أعظمَ؟) [1] ، فهذا صحابي يتذوق القرآن، ويتعامل مع القرآن بأنه ليس على مرتبة واحدة في الحديث، هنا يتحدث عن الحيض وليس في حديث القرآن عن الحيض كحديثه عن الصلاة، ولذلك القرآن يتفاضل على الصحيح. فهذا الصحابيّ سُئل أيُّ آيةٍ أعظم؟ فما الجواب الآن؟ على الصحابي أن ينظر أيُّ آيةٍ أعظم في كتاب الله؟ هي الآية التي تتحدث عن الله، ويكون فيها الطول في الإسهاب في الحديث عن الله، فهم الصحابة هذا، فهم أن هذا القرآن هو رسالة الله إلى البشرية من أجل أن يكشف جلّ في علاه عن نفسه، يَبِين عن نفسه، فالعربي فهم هذا ولذلك قال: (آية في كتاب الله أعظم؟) ، قال: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} ، ذُكرت عشرة أخبارٍ في هذه الآية، ولا يوجد في القرآن آية فيها هذه الأخبار عن الله فقط كما في هذه الآية، فهذا رجل يستقصي، يقرأ القرآن ويستقصي، يفهمه.

ولذلك لما الصحابي قيل له:"لماذا تكرر هذه السورة؟"، وردت ثلاثة روايات عن الصحابي الذي كان يؤم في قباء وكان يُصرّ أن يقرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} قبل كل سورة بعد الفاتحة، فهذا لمّا سُئِل لِمَ تفعل هذا؟ قالوا: إمّا أن تقتصر عليها وإما أن تأتي بغيرها لكن لماذا تريد أن تجمعها في كل سورة؟ فقال: هذا الذي عندي، إما أن أؤم بكم على هذا الشرط أو لا أؤم بكم، فشكوه للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فالنبي أحضره وسأله لمَ تفعل هذا؟ فقال هذا الجواب. هذا هو كل شيء في الوجود، هذا هو الوجود، ليس فقط وجود الأرض ولا وجود الدنيا ولكنه وجود الآخرة كذلك. إن لم نفهم هذا ديننا مغموسٌ فيه، وخُطبنا كماءٍ على صفون لا قيمة لها، نخطب ثم نخرج فنقول:"ما شاء الله الشيخ جميل"كما نتغنى بالموسيقى، الشيخ إذا كان صوته قوي فطَرِبنا له وهكذا!، فقال الصحابيّ:"إنّي أحبها لأنها صفة الرحمن".

هذا هو لغز القرآن بل هو لغز الإنسان بل هو لغز الوجود كله، ارمي مالك في الزبالة هذا ليس له قيمة هذا كلّه لأجل الأكل والشرب ثم لبيت الخلاء. ارمي لباسك، اجمع ما شئت، غيرك جمع أكثر، تحلى بما تتحلى، الدّابة قد تتحلى بأجمل مما تتحلى به أنت، افتخر بما تفتخر، إن لم تدرك هذه المعاني فأنت لا

(1) صححهُ الألباني في صحيح أبي داود: (1460) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت