فهرس الكتاب

الصفحة 549 من 647

في قولهم هو الله بأنه كان يحي الموتى ويبرئ الأسقام ويخبر بالغيوب ويخلق من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طيرا، وذلك كله بأمر الله وليجعله آية للناس. ويحتجون في قولهم إنه ولد الله بأنهم يقولون لم يكن له أب يعلم، وقد تكلم في المهد، شيء لم يصنعه أحد من ولد قبله، ويحتجون في قولهم إنه ثالث ثلاثة بقول الله: فعلنا وأمرنا وخلقنا وقضينا. فيقولون: لو كان واحدا ما قال إلا فعلت وقضيت وأمرت وخلقت، ولكنه هو وعيسى ومريم، ففي ذلك من قولهم نزل القرآن. فلما كلمه الحبران قال لهما رسول الله: أسلما". قالا: قد أسلمنا. قال:"إنكما لم تسلما فأسلما". قالا: بل قد أسلمنا قبلك. قال:"كذبتما يمنعكما من الإسلام دعاؤكما لله ولدا وعبادتكما الصليب وأكلكما الخنزير". قالا: فمن أبوه؟ فصمت رسول الله عنهما فلم يجبهما، فأنزل الله في ذلك من قولهم واختلاف أمرهم كله صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها فقال {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} فاستفتح السورة في تنزيه نفسه عما قالوا وتوحيده إياها بالخلق والأمر والإلهية، ردا عليهم ما ابتدعوه من الكفر، {الْحَيُّ} الذي لا يموت وقد مات عيسى وصلب في قولهم، {الْقَيُّومُ} القائم على مكانه من سلطانه في خلقه لا يزول، وقد زال عيسى وصلب في قولهم عن مكانه الذي كان به وذهب عنه إلى غيره إلى قوله {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ} ."

أي قد كان عيسى ممن صور في الأرحام لا يدفعون ذلك ولا ينكرونه كما صور غيره من ولد آدم، فكيف يكون إلها وقد كان بذلك المنزل؟ ثم قال تنزيها لنفسه وتوحيدا لها مما جعلوا معه {لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} في انتصاره ممن كفر به إذا شاء، الحكيم في حجته وعذره إلى عباده {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} حجة للرب وعصمة للعباد ودفع للخصوم والباطل ليس لهن تصريف ولا تأويل {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} .

ابتلى الله فيهن العباد كما ابتلاهم في الحلال والحرام ولا يصرفن إلى الباطل ولا يحرفن عن الحق، يقول الله {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} أي ميل عن الهدى {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ}

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت