إذًا فطالب العلم ينبغي أن يحذر أن يكون في بداية الطلب، احذر أيها الطالب أن تكون أنانيًا في أول الطلب، لا تدعي، فالدعوة أخبث شيء وأحط شيء لطالب العلم، بل دائمًا ينبغي لطالب العلم ألا يكون مريضًا بكلمة أنا. أنا، ونحن، ولا سيما نحن التي تكون للتعظيم، التعظيم الادعائي طبعًا، لأن التعظيم إما أن يكون حقيقة وإما أن يكون ادعاءً، فيقول أنا فعلت كذا، ونحن فعلنا كذا، ويشير إلى نفسه فقط، وليس معه أحد، فأول من قال أنا معلوم أنه إبليس {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} ، فلذلك يقول أهل القياس، كان قياسًا معكوسًا، ولذلك ابن حزم يرد القياس ويستدل بهذه الآية، وقالها أيضًا طاغية جبار وهو فرعون {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} .
إذًا فطالب العلم ينبغي أن يحذر من كلمة أنا. ثم إياه ثم إياه ثم إياه من: أنا وأنتم. كيف أنا وأنتم؟ يقول أنا العالم وأنت الجاهل، وأنتم الجهال. أنا وأنت وأنتم، إياك وأنا وأنت وأنتم. أنا العالم وأنت الجاهل وأنتم الجهال؛ أنا الطائع وأنت العاصي وأنتم العاصون؛ أنا الطائع وأنت المذنب، وأنتم المذنبون؛ يعني دائمًا أنا وأنت وأنتم. أو تقول: أنا التقي، وأنت الفاسق، وأنتم الفاسقون؛ دائمًا أنت في الدرجة الأولى؛ أنا المتبع، وأنت المبتدع، وأنتم المبتدعون؛ أنا المهتدي، وأنت الضال، وأنتم الضالون؛ أنا الحيي، وأنت الوقح، وأنتم الوقحون. هذا الأسلوب ما ينبغي أن يعرفه وأن يعرف طريق طلب العلم، وطلبة العلم، ما ينبغي، سدوا عليه الباب؛ إذا شئتم أن تستفيدوا، وأن تكونوا شيئًا كثيرًا فكلمة"أنا"اتركوها.
ولذلك أذكر قصة رائعة هي في صحيح البخاري، أن النبي -عليه الصلاة والسلام- كان مع الصحابة، في حديث عبد الله بن عمر، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهذا من باب السؤال يعني يُلقى على طالب العلم: (أخبروني بشجرة مثلها مثل المسلم، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها) ، ورقها لا يسقط، (أخبروني بشجرة مثلها مثل المسلم) ، يعني المسلم دائم نفَّاع، فكذلك هذه الشجرة الورق الخاص بها لا يسقط، وتنفع وتؤتي أكلها، فما هي هذه؟ قال فوقع في نفسي -قال هذا عبد الله بن عمر- فوقع في نفسي أنها النخلة. -لاحظ لماذا لم يقل هذا- فكرهت أن أتكلم بها، وثم أبو بكر وعمر، يعني في المجلس أبو بكر وعمر، فلما لم يتكلما، يعني لم يتكلم أبو بكر وعمر، فلا نتكلم من باب أولى وأحرى، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: إنها النخلة، أو قال هي النخلة. فلما خرجت مع أبي -يقول عبد الله بن عمر- فلما خرجت مع أبي قلت: يا أبتي وقع في