واحدًا يطعن في العلماء الكبار العظام، والأئمة الذين أفنوا حياتهم وأعمارهم في نشر دين الله -عزَّ وجلَّ- وهذه كلها من قلة الأدب، فلا يفعل هذا إلا قليل الحياء، ولذلك قال له فإنه قليل الحياء.
وقال عقبة بن علقمة: سمعت إبراهيم بن أدهم -رحمه الله- قال كنا -وإبراهيم ابن أدهم من علماء الورع، بل يقولون هو ميزان الورع، ومقياس الورع، أو مقياس الورعين، فحتى إذا الإنسان أراد أن يسابقه في الورع لا يستطيع أبدًا، فكان يقول: كنا إذا رأينا الحدث، حدث السن يعني صغير السن، إذا رأينا الحدث يتكلم مع الكبار آيسنا من أخلاقه، ومن كل خير عنده، انظر كل من ألفاظ العموم. كنا إذا رأينا الحدث يتكلم عند الكبار أيسنا من أخلاقه، ومن كل خير عنده، لأن السلف في الماضي لم يكونوا يتكلمون ولم يكونوا يعطون مواعظ هكذا دون أن يُؤذن لهم، فيقول الإمام مالك: ما طابت نفسي للفتوى حتى شهد لي سبعون محنكًا، المحنك هم الذين كانوا يعملون التحنيك هكذا، العمامة يعني التمييز، يعني معناه أنه لا يفعل هذا إلا كبار العلماء، قال ما طابت نفسه بالفتوى إلا بعد أن شهد له سبعون محنكًا وقالوا له أفتي يا مالك.
ورجل أراد أن يعظ الناس فجاء إلى عبد الله بن عباس فقال إني أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، قال أوقد بلغت ذلك؟ قال أرجوا، قال إن أحكمت ثلاثة أحرف فافعل، قال وما هي يرحمك الله، قال ما هو الحرف الأول؟ قال الحرف الأول يقول الله -عزَّ وجلَّ-: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} قال أحكمت هذا الحرف، قال لا، قال فالحرف الثاني؟ قال قوله تعالى: {لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} ، أحكمت هذا الحرف؟ قال لا، قال فالحرف الثالث؟ قال قوله تعالى: {وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىَ مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيَ إِلاّ بِاللّهِ} ، أحكمت هذا الحرف؟ قال لا، قال إذًا فابدأ بنفسك أولًا، ثم عظ الناس، وإن كان الإمام مالك لو كان لا يأمر إلا يعني بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من اتصف بذلك فلا أحد يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ولكن افعل على حسب المستطاع. فالشاهد عندنا أنهم كانوا لا يتصدرون الفتوى، ولا يتصدرون التدريس ولا الوعظ إلا بعد أن يأذن لهم شيوخهم، ولربما يكون الرجل قد بلغ مبلغًا عظيمًا في العلم ولكن شيخه لا يأذن له، لأنه يرى أنه يحتاج إلى بعض سياسة التبليغ، ولا بد أن يأخذ دورات فيها، فلذلك يقول الإمام مالك ما طابت نفسي للفتوى حتى شهد لي سبعون محنكًا.