إليَّ يا أبا بحر، إليَّ يا أبا بحر، فالرجل بدأ ينظر، وأجلسه معه، وأعرض عنهم، أعرض عمن قدمهم عبيد الله، وأقبل على الأحنف -رضي الله تعالى عنه-، فأخذوا في شكر عبيد الله، من هم؟ هؤلاء الذين قدمهم عبيد الله، الذين قدمهم على حسب المراتب، قدمهم عبيد الله ليشكروه، هؤلاء منافقون يقدمون لماذا؟ للدفاع عن الظالمين، كما يفعل المجالس العلمية الآن، فقدم عبيد الله منافقين ليمدحوه عند الأمير، فصاروا يمدحون في عبيد الله ويشكرونه بأنه كذا وكذا، وسكت الأحنف، ومعاوية -رضي الله عنه- لا يلتفت إليهم، لا يلوي، ثم قال له لم لا تتكلم، لمن قال هذا؟ قال للأحنف، قال إن تكلمت خالفتهم، -لاحظوا- يعني حتى في كلامه كان دقيقًا، فقال سيدنا معاوية -رضي الله عنه-:"اشهدوا أني قد عزلت عبيد الله". لماذا عزله؟ لكون الأحنف شهد فيه بأنه لا يصلح، وبأنه وبأنه .. ، عكس ما شهد فيه المنافقون، فلما خرجوا كان فيهم من يروم الإمارة، يعني من الناس المنافقين تشرئب أعناقهم إلى الإمارة، ينتظرون لعل واحد منهم يوليه إمارة بدل عبيد الله، ثم أتوا معاوية بعد ثلاث، يعني خرجوا وذهبوا إلى حال سبيلهم في بيت الضيافة، ثم بعد ثلاثة أيام جاءوا -لما جاءوا وذكر كل واحد شخصًا، نريد أن يكون علينا فلان، وآخر يقول فلان، وتنازعوا، كل طائفة تريد أن تولي شخص لأنه إما من أقاربه وإما أنه ممن ينافق، ليأخذ الرشا على ذلك- فقال معاوية -رضي الله عنه-: ما تقول يا أبا بحر؟ هو ساكت، كلهم يتكلمون، وهو صامت، فقال له ما تقول يا أبا بحر؟ فقال إن وليت أحدًا -لاحظ هذه العبارة التي قالها لسيدنا معاوية- إن وليت أحدًا من أهل بيتك لن تجد مثل عبيد الله، هو عزله، الأحنف هو الذي عزله، ثم أراد أن يرده، لأنه رأى أن من يتسابق للإمارة لا يستحق أن يكون أميرًا، فلذلك يقول اختاروا من يمثلكم، الآن في زماننا اختاروا من يمثل عليكم وليس من يمثلكم. فقال له إن وليت أحد من أهل بيتك لم تجد مثل عبيد الله، فقال قد أعدته، يعني أعاده إلى الإمارة، قال فخلا معاوية بعبيد الله، فقال كيف ضيعت مثل هذا الرجل الذي عزلك وأعادك وهو ساكت، انظر إلى هؤلاء يتكلمون كثيرًا ولكن هذا ساكت عزلك وولاك مرة ثانية، قال له كيف فرطت في مثل هذا، هذا الذي ينبغي أن يكون من جلسائك ومن أصحاب سرك، ومن المقربين إليك، ومن خواصك، ومن بطانتك. فلما رجع عبيد الله جعل الأحنف صاحب سره، انظر إلى هؤلاء -رضي الله عنهم-.