الصفحة 144 من 247

وقد بينا في غير موضع أن عمر -رضي الله عنه- لما خرج إلى الشام فأتوا على مخاضة -يعني كأنك تقول إلى"غيس"- إلى مخاضة، وعمر يجر الناقة، لأنه كان يعني معه واحد فكان مرة يركب عمر ومرة يركب الثاني، فلما وصلوا إلى المخاضة وعمر على ناقته، فنزل عنها وخلع خفيه، فوضعهما على عاتقه، فوضعهما من؟ أمير المؤمنين، تنظرون إلى أمير المؤمنين وإلى أخلاقه وهو يُنتظر من البطارقة والكبار والعظام إلى غير ذلك، فخلع خفيه فوضعهما على عاتقه، وأخذ بذمام ناقته فخاض بها المخاضة، فقال أبو عبيدة بن الجراح يعني كان ينتظره، فقال يا أمير المؤمنين أأنت تفعل هذا، تخلع خفيك وتضعهما على عاتقك، وتأخذ بذمام ناقتك وتخوض بها المخاضة! فماذا قال له عمر؟ هل قال له كلامًا يعني كمثل كلام هؤلاء المنافقين، ينمق الكلام، قال ما يسرني أن أهل البيت استشرفوك، لاحظ هذا الكلام كلام أمين الأمة أبي عبيدة، فقال له عمر -رضي الله عنه-: أوه! لو يقل ذا غيرك يا أبا عبيدة جعلته نكالا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم. أوه! يعني لو قال غيرك هذا الكلام لجعلته نكالًا بدرته يعني يؤدبه، هذا هو الشاهد عندنا أن عمر -رضي الله عنه- ماذا كان يراعي؟ لم يكن يراعي مسألة اللباس، ولكن كان يراعي ماذا؟ أقدار الرجال، لو غير أبي عبيدة قال هذا لأدبه، ولكنه أبو عبيد أمين هذه الأمة فلم يستطع أن يفعل معه ما يفعله مع غيره. أوه! يعني ما هذا، لو غيرك يا أبو عبيدة قال هذا لجعلته نكالًا، يعني لأدبه بدرته، يعني نظر إلى -وهذا الشاهد عندنا- أنه نظر إلى مكانته، وأقدار الرجال، وإلى إنزالهم منازلهم. ثم قال -وهذه عبارة جيدة-"إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، -أي والله- إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله". كلام عجيب، كلام رائع، فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله، يعني عاملنا بنقيض قصدنا.

وفي رواية أنه قال له أمين هذه الأمة:"يا أمير المؤمنين تلقاك الجنود وبطارقة الشام، وأنت على حالك هذه؟! فقال عمر:"إنا قوم أعزنا الله بالإسلام فلن نبتغي العز بغيره". وهكذا كان السلف -رضوان الله تعالى عليهم-."

ولذلك يقول يحي بن معين -وهذا إمام الجرح والتعديل- يقول بأنه سمع قبيصة بن عقبة يقول: شهدت عند شريك، فامتحنني في شهادتي، -يعني شهد شهادة، لأن شريك كان قاضيًا- فذكرت ذلك لسفيان، قال فلما ذكر ذلك لسفيان أنكر على شريك، قال لما تمتحنه، فقال له لم يكن له أن يمتحنه، يعني هكذا قال سفيان، ولكن كان ينظر إلى ماذا، لأنه كان رجلًا من أهل الفضل، فلذلك ما كان ينبغي أن يمتحنه، فلذلك اعترض

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت