وقع معه سوء تفاهم يستخرج تلك الفلتات وتلك الأخطاء، فلو كان صادقًا ناصحًا لله -عزَّ وجلَّ- لنصحه، لقال له اتق الله، فإذا نصحه ينبغي ألا يذكر هذا الذنب الذي صدر، أو هذا الخطأ، بل ينبغي أن تستره، هذا من صفة العالم، ومن صفة المؤمن، فلذلك كانوا ينظرون إلى شيوخهم بصدق، وكانوا ينظرون إليهم بإجلال، وكانوا ينظرون إليهم باحترام؛ هذا كان يقوله أحد السلف أنه كان إذا خرج للطلب -يعني ليأخذ عن شيخه، ماذا يفعل؟ - يتصدق شيئًا قبل خروجه، يتصدق شيئًا، ويقول: اللهم استر عيب شيخي عني، ولا تذهب بركة علمه مني. وسبحان الله هذه مسألة مجربة. إذا رأيت نفسك أفضل من العالم لا تستفيد منه، وإذا رأيت نفسك أقل منه لا بد أن تستفيد منه، وتستخرج منه علوم كثيرة، وإذا كنت تجادله كأنه عادي، كأنه شخص من عامة الناس، بل حتى المجادلة ينبغي أن تكون بأدب، وستسمعون -إن شاء الله- كيف كان السلف يتعاملون مع طلباتهم، والطالب كيف يتعامل مع شيخه، وتنظرون كيف تأدب الإمام مالك مع شيوخه، وكيف تأدب معه طلبته، هذا الإمام الشافعي كما سيأتي إن شاء الله كيف تأدب معه، والإمام أحمد كيف تأدب مع شيخه الشافعي، والإمام أحمد أيضًا كيف تأدب معه طلبته، إذًا فكما تدين تدان.
هذا يتصدق بشيء ويدعوا الله -عزَّ وجلَّ- أن يستر عيب شيخه حتى يستفيد من علمه، ويدعوه -سبحانه وتعالى- ألا يذهب بركة علمه عنه، هكذا كان السلف، حتى إن الإمام الشعبي -الإمام الشعبي وما أدراكم ما الإمام الشعبي- هذا الإمام الشعبي -رحمه الله تعالى- قال: صلى زيد بن ثابت -وهذه مسألة أيضًا ينبغي أن تنتبهوا لها جيدًا، هذا زيد بن ثابت صحابي جليل، ومع من؟ مع حبر الأمة وبحرها، صلى زيد بن ثابت -رضي الله عنه- على جنازة، ثم قربت له بغلة ليركبها، فجاء ابن عباس فأخذ بركابه، ابن عباس من آل بيت النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد دعا له النبي -صلى الله عليه وسلم- بالتفقه بالعلم، وقد دعا له -عليه الصلاة والسلام- بمعرفة التفسير والتأويل، ومع ذلك يأخذ بركاب زيد بن ثابت، فيقول له زيد: خلي عنه يابن عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فيقول له ابن عباس: هكذا يُفعل بالعلماء والكبراء. وفي رواية أنه أخذ يده وقبلها، زيد أخذ يد عبد الله بن عباس وقبلها وقال: هكذا يُفعل بآل بيت النبي -صلى الله عليه وسلم-. سبحان الله، كيف كان هؤلاء يتعاملون، كل يعرف قيمة الآخر.