الصفحة 16 من 247

وهذا الإمام الشافعي محمد بن إدريس المطلبي حتى قالوا بأن اللغوين أهل اللغة استفادوا من كلامه، وهو أول واضع علم الأصول، أصول الفقه، وحتى أنه لما كتب الرسالة وأرسلها للحافظ عبد الرحمن بن المهدي فماذا قال؟ قال هذا الفتى مُلئ علمًا، وقد بين كلام الله -عزَّ وجلَّ- غاية البيان، ومن يقرأ كتاب الرسالة يرى أنه جبل نُفخ فيه روح، عالم هو ليس ككل العلماء، إمام من فطاحل العلماء، بل من عظماء العلماء، فانظروا كيف يتأدب مع شيوخه، وكيف يتذلل لهم، وكيف يتملق معهم، حتى عوتب على ذلك!، عوتب في ذلك يعني من كثرة ما كان يتذلل، فقال لهم بيتًا عظيمًا والله هذا البيت لا يكتب بماء الذهب بل بسواد العين، أغلى ما يملك الإنسان، يقول:

أهين لهم نفسي فهم يكرمونها ======= ولن تكرم النفس التي لا تهينها

أهين لهم نفسي فهم يكرمونها، لأنهم يهذبون نفسه، ويخلقونها، ويهذبونها، ولن تُكْرَمَ النفسُ التي لا تهينُها، أو ولن تُكْرِمَ النفسَ التي لا تهينُها، لاحظ، بيت عجيب، أهين لهم نفسي لماذا؟ فهم يكرمونها، أنا أهين لهم نفسي، ولكن هم يرفعونها ويهذبونها، ولن تكرم النفس التي لا تهينها، النفس إذا لم تهينها في طلب العلم، والتذلل مع الشيوخ، فهذه النفس لا ينبغي أن تكون مذللة ولا أن تكون مهذبة ما دامت تتكبر وتفتخر على شيخها وعلى معلمها.

وذكر الحافظ النووي، والحافظ النووي يعظم شيخه، ومذهبه، -شيخه ليس بمعنى أنه أدركه وأخذ عنه، ولكن النووي شافعي المذهب، ويعظم الإمام الشافعي- فيقول -رحمهم الله تعالى-: كنت -يذكر عن الإمام الشافعي- أصَّفِّحُ (أو أصْفَحُ) الورق بين يدي مالك -رحمه الله تعالى- عندما كان يأخذ العلم عن مالك، يصفحها يعني يقلب الورقة صفحًا رقيقًا، هيبة له، هيبة للإمام مالك، لئلا يسمع وقعها، يعني كان يهيب الإمام مالك، ويحترمه، حتى الورقة يقلبها برفق، حتى لا يسمع الإمام مالك وقعها، وصدق من قال: ازرع تحصد، يعني مهما تأدبت مع شيوخك، تأدب مع تلامذتك، فالجزاء من جنس العمل كما يقولون، الجزاء من جنس العلم، كما تدين تدان، هذا الإمام الشافعي تأدب مع شيخه الإمام مالك، والله قد تأدب أيضًا الإمام الشافعي مع شيوخه وتأدب معه تلامذته؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت