المواضع -دققوا جيدًا- فتراه صاحب تعزز يعني يتعزز، وهروب يعني يهرب من المواضع التي يخشى منها عليه التلوث، فلا يسمح بأثر ولا طبع ولا تلوث يعلو ثوبه وإن أصابه شيء من ذلك على غرة، ما معنى على غرة؟ يعني على فجأة يعني هو لم يكن واقعًا في شيء ولكن فجأة أصيب ماذا يفعل؟، بادر إلى قلعه وإزالته ومحو أثره، وهكذا الصائن لقلبه ودينه تراه يجتنب طبوع الذنوب وآثارها فإن لها في القلب طبوعًا وآثارًا أعظم من الطبوع الفاحشة في الثوب النقي البياض، ولكن على العيون غشاوة أن تدرك تلك الطبوع. فتراه يهرب من مظان التلوث ويحترس من الخلق ويتباعد من مخالطتهم مخافة أن يحصل لقلبه ما يحصل للثوب الذي يخالط الدباغين والذباحين والطباخين وغيرهم، لأن هؤلاء غالبًا يوسخون الثوب بخلاف صاحب العلو فإنه وإن شابه هذا في تحرزه وتجنبه فهو يقصد أن يعلو رقابهم ويجعلهم تحت قدميه، فهذا لون، وذاك لون، إذًا فكما أن الإنسان يعتني بالثوب نقي البياض ذا الثمن، لا يريد أن يقع فيه وسخ أو شيء، كذلك ينبغي للإنسان أن يعتني بقلبه، أن يفر من الأشرار وأن يفر من الطلحاء، ويعاشر ويخالط الصلحاء، لأن الصاحب ساحب، ومن خلط مجرمًا للأسف ربما يؤثر فيه، ومن خلط صاحب معصية ربما يؤثر فيه.
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ======= فكل قرين بالمقارن يقتدي
ونقف هنا -إن شاء الله- على بعض الأمثلة التي اتصف بها السلف الصالح، بل وإمام العلماء وقدوة السالكين وأسوة المؤمنين وسيد العالمين محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه-، كان أشد الناس تواضعًا على علو منصبه ومنزلته ورفعة قدره ودرجته -عليه الصلاة والسلام-، وتعلمون الحديث الذي ورد في صحيح البخاري: إن كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فتنطلق به حيث شاءت، هذا الحديث في صحيح البخاري، كثير من الناس استدلوا بهذا الحديث على ماذا؟ -وهذا قد بينته في كتاب حكم المصافحة، مصافحة المرأة الأجنبية، يعني يظن على أن هذا الحديث يؤخذ منه مصافحة المرأة، أولًا فالعرب يقولون فلان أخذ بيدي، ما معناه؟ أعانه، كناية عن الإعانة وتقديم المساعدة، وليس معناه أنه أخذ بيده حقيقة، يعني هذا المراد به الإعانة وتقديم المساعدة، ثم أيضًا حتى لو قالوا كذلك فهذه ورد في حديث آخر لأن دائمًا نقول الحديث لا يؤخذ منه الحكم إلا بعد أن نجمع ألفاظه وطرقه، فلما تتبعنا هذا الحديث وجدنا أن المرأة كان في عقلها شيء، يعني لم تكن طبيعية، كانت مجنونة يعني، وليست عادية.