الصفحة 212 من 247

إذًا كيف نجمع بين هذه الأحاديث وبين الآيات الواردة في هذا؟ الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال مجموعة أحاديث، وأحاديث أخرى كحال هذا النوع ولكنها كلها تصب في مصب واحد، ولكن قول الله عز وجل: {وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} ، وقال أيضًا: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} ،"بما"، الباء هذه سببية، أي بسبب عملكم، هنا يؤكد أن دخول الجنة بالعمل، وهناك يمنع، يقول لا ليس هناك من يدخل الجنة بعمله، فجمع العلماء بينهما في أقوالٌ كثيرة نأخذ منها فقط اثنان:

قول منهم قال بأن الحديث يبين أن هناك جنة ترثها بعملك، وجنة بفضل من الله ورحمة، واستدلوا بأحاديث، {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} ، وهذا بعيد طبعًا.

والقول الثاني -وهو الأصح قالوا: التوفيق على العمل من الله، إذًا هذا الذي كان يعنيه في الأحاديث يعني لن يدخل أحدكم الجنّة عمله معناه: لن يوفق للعمل إلا إذا وفقه الله تعالى، فالتوفيق ممن؟ من الله تعالى، هو الذي هداه، ولكن الدرجات بالعمل، هذا هو الجمع الذي قالوا أحسن جمع، التوفيق في الأحاديث، الحديثان يبينان أن التوفيق من الله تعالى، وأن الدرجات بالعمل، وهكذا السلف كانوا يخافون، كما قلنا الملائكة يقولون: ما عبدناك حق عبادتك، وإبراهيم يقول: {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي} ، والرسول -عليه الصلاة والسلام- يقول: (وما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي) ، ويقول أيضًا: (لن يدخل أحدكم الجنة عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل منه ورحمة) ، بل أبو بكر الصديق يقول:"وهل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله"، بل وسيدنا عمر يقول:"لو أن لي طلاع الأرض، -ما هو طلاع الشيء؟ يعني ملئه، ملئ الأرض، لو كان لي ملئ الأرض لافتديت بها من هول ما أمامي قبل أن أعلم ما الخبر"، قبل أن يعرف على أنه يُنطلق به إلى الجنة أم إلى النار، يعني لو كان عنده ملئ الأرض ذهبًا لافتدى به، لا له ولا عليه، وكان يقول ليتني كنت شجرة أعضد أو أؤكل،"ليتني كنت مثل هذه اللبنة"يعني لا له ولا عليه، مع أنه أمير المؤمنين مبشر بالجنة -رضي الله تعالى عنه-. يخافون، يعني ما كانوا يعتمدون على أعمالهم، السلف هكذا كلهم، ولذلك عبد الله بن مسعود الذي هو أيضًا مبشر بالجنّة، وإن كان ليس في الحديث الذي جمع الصحابة جميعًا يعني العشرة، ولكن ومع ذلك -والنبي صلى الله عليه وسلم قال: عليكم بأم عبد، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يحبه، وقال بأن ساقيه أثقل في الميزان من جبل أحد، وأن عمر ضرب من كان لم يسمع له لما قال له أنت أيضًا ارفع إزارك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت