الصفحة 213 من 247

وضربه بالدِرة، المهم فضائله لا تعد ولا تحصى، بعبارة مختصرة: جبلٌ نفخ فيه روح، ومع ذلك يقول:"ليتني إذا مت لا أبعث"، وهو من هو؟

بل أمنا وحبيبة نبينا الصديقة بنت الصديق المبرأة في القرآن من فوق سبع سماوات تقول:"ليتني كنت نسيًا منسيا"، وأيضًا كثير من السلف: عثمان -رضي الله عنه- كان يبكي أيضًا، ولاحظوا حتى أنه ورد أن عثمان كان إذا ذكرت الجنّة والنار لا يبكي، وإذا ذُكر القبر يبكي فقيل له: تُذكر الجنّة والنار فلا تبكي، ويُذكر القبر فتبكي! فيقول: القبر أول منزل من منازل الدنيا، فإن نجا منه فما بعده أيسر، ثم يبكي حتى يبلل لحيته -رضي الله تعالى عنه-، ويذكر لهم أحاديث كثيرة فيما سمعه من النبي من الوعيد الشديد وقال:"ما رأيت منظرًا إلا والقبر أفظع منه".

إذًا السلف هكذا كانوا، كان من شأنهم وجميع العقلاء -رضي الله تعالى عنهم- يحقرون أعمالهم ولا ينظرون إلى الأعمال ولا يتكبرون ويتعجرفون على عباد الله عز وجل، فلذلك يقول ابن الجوزي:"ولولا عزة الفهم ما تكبر متكبر على جنسه"، لولا عزة الفهم، لو كان الفهم يعني سهل أي واحد يفهم لا يستطيع أن يتكبر على أي أحد أبدًا، لأنه يرى أنه يتصف بصفة الألوهية، الكبرياء لمن؟ لله -عز وجل-، الجبروت لمن؟ لله -عز وجل-، إذًا فما ينبغي للإنسان أن يتكبر وأن يتعجرف، فلذلك"لولا عزة الفهم ما تكبر متكبر على جنسه، ولكان كل كاملٍ خائفًا، محتقرًا لعمله، حذرًا من التقصير في شكر ما أنعم الله به عليه". يخافون من أعمالهم ألا تقبل، وقد سبق في الدروس الماضية أن قلنا بأن السلف كانوا يتمنون من يخبرهم بأن الله قد قبل منهم حسنة واحدة، لأن الله يتقبل من عباده المتقين، فإذا قبل منك حسنة واحدة فمعناه أنك من المتقين، فلذلك لو فهم الإنسان هذا لنكس رأس الكبر، ولأوجب على نفسه مساكنة الذل، ولما تكبر على عباد الله -عز وجل-.

قلنا يعني كما كان ابن الجوزي يقول لو الإنسان فهم أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- وفهم كلام الله تعالى لما تكبر، بل لتواضع لله -عز وجل-، ولتواضع مع عباد الله -عز وجل-، فلذلك السلف كلهم كانوا ينظرون إلى أعمالهم أنها قد لا تُقبل {الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ} ، قالت عائشة -رضي الله عنها-: يعملون أعمال -فليس معناه أنهم ما كانوا يعملون، كانوا يعملون ولكن يخافون ألا تُقبل أعمالهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت