وهذا عمر رضي الله عنه كان يقول:"تعلموا العلم وعلموه الناس، وتعلموا له الوقار والسكينة، وتواضعوا لمن تعلمتم منه ولمن علمتموهم، ولا تكونوا جبابرة العلماء، فلا يقوم جهلكم بعلمكم"، إذًا معناه أن تتواضع ولا تتكبر بالعلم، لأن أهل العلم سمتهم التواضع وليس الكبر.
إذًا فليتنبه الإنسان لمثل هذا، ولهذا كلام عمر رضي الله عنه -هذه الفائدة مهمة جدًا-:"تعلموا العلم وعلموه الناس"، لأن العلم يتعلمه الإنسان ليرفع الجهل عن نفسه وليرفع الجهل عن غيره، ولذلك عندما يفهمه هو ويعمل يعلمه الناس، فعلى حسب -فليس معناه أن يتعلم لكي يعلم الناس فقط،"وتعلموا له الوقار والسكينة"، فإذا تعلمت للعلم الوقار والسكينة فمعناه أنك تعمل به."وتواضعوا لمن تعلمتم منه"، وقد سبقت لنا آثار كثيرة أنهم كيف كانوا يتواضعون لمشايخهم ولعلمائهم."وتواضعوا لمن تعلمتم منه ولمن علمتموه ولا تكونوا جبابرة العلماء"، لأن جبابرة العلماء أنه إذا علم كلمة واحدة يتجبر وكأنه -للأسف- فُرغ منه، خلاص يدخل الجنة، قطع الورقة إلى الجنة."فلا يقوم جهلكم بعلمكم"، ولذلك كان أحمد بن حنبل على جلالته وعلى جلالة علمه وقدره -رضي الله تعالى- عنه كان من أشد الناس تواضعًا وزهدًا، حتى يقول العارف أبو النعمان:"وضع أحمد عندي نفقته -يعني لما كان يمشي للدراسة ومعه نفقه شهر أو شهرين يضعها أمانة عند شخص مثلًا يثق به- فكان يجيء فيأخذ منها حاجته، فقلت له يومًا: يا أبا عبد الله بلغني أنك من العرب، -وهذا الذي وضع عنده نفقته كان من العجم، وطبعًا أنتم تعلمون أن الإخوة الذين ذهبوا إلى أفغانستان أن الافغانيين جزاهم الله خيرًا عندما يعلمون أن هذا الأخ عربي ماذا يفعلون معه؟ يتواضعون معه سبحان الله ويقدمون له خدماتهم ويقرونه ويفعلون معه سبحان الله ما لا يفعله العربي مع عربي آخر، فكانوا يقولون هؤلاء عرب هؤلاء يعني منهم كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فما بالك إذا جاء من مكة أو جاء من المدينة؟ كانوا يتواضعون لهم غاية التواضع، مع أن العجم الأصل فيهم الجلافة والغلظة والقسوة ولكنهم كانوا يتواضعون للعرب، وقد حكى لنا إخواننا أنهم كانوا يتواضعون لهم، حتى كانوا هم يستحيوا. رجالهم ونساؤهم، حتى نساؤهم يعني إذا كان الأخوات هناك كانوا يتواضعون معهم ما شاء الله إذا عرفوا بأنهم عربيات."
فهذا لما وضع نفقته عنده الإمام أحمد فكان يجيء الإمام أحمد فيأخذ منه حاجته منها، فقلت له يومًا: يا أبا عبد الله بلغني أنك من العرب، قال يا أبا النعمان -انظر لم يقل له نعم، قال: يا أبا النعمان نحن قوم مساكين،